التسامى الإسلامي والسعادة النفسية
دكتور أحمد التميمي
تجد فى معجم " المصباح المنير " : " سما ، يسمو ، سموا ، أى علا إلى معالى الأمور ، وكل عال سماء ، والسمو هو العلو " .
فالتسامى إذن يشير إلى عملية الصعود والارتقاء إلى الدرجات العلا . فإذا كان التسامى إسلاميا اتجه الذهن مباشرة إلى وجهة هذا الصعود وبغيته ، هو القرب أكثر وأكثر من الله سبحانه وتعالى ، هو الدخول فى رحاب النور الإلهى على طريق النور بين الأرض والسماء ، من مسجد العبد إلى عرش الرب ، درجاته نور على نور ، فكل درجة أعلى لها كل أنوار الدرجات الأدنى وزيادة ، هو سلم الطاعة والعبودية كما هو سلم الحرية والعزة ، سلم إسلام كما هو سلم سلام .
وإذا كان التسامى إسلاميا كان الدليل فى هذه الرحلة المباركة : الكتاب والسنة ، القرآن وسنة محمد صلى الله عليه وسلم وكما أن القرآن فيه هدى ونور التوراة والإنجيل وزيادة ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) (1) ، ( وأتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ) (2) ، وكما أن محمد إمام كل المرسلين وزيادة ( هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ) (3) ، ( وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ) (4) ، فإن المسلم إذن فى تساميه قربا من الله سبحانه وتعالى بالقرآن والسنة لن يضل ولن يشقى ، بهما يتجنب العثرات ويتخطى العقبات ، ويجد دائما بعد العسر يسرا ويسرا . إنه يسلك طرق النور ويسمو مع إخوانه فى مدارج السالكين ( للذين استجابوا لربهم الحسنى ) (5) ، ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) (6) .
التسامى صعود ، وفى الصعود جهد ومجاهدة وجهاد فى سبيل الله .
التسامى جهد الأداء ، وهنا نستحضر إجابة سيدنا محمد إلى زوجته عائشة رضى الله عنها حين أشفقت عليه من طول صلاته وتعبده فى الليل حتى تورمت قدماه ، وقد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( أفلا أكون عبدا شكورا ) .
والتسامى مجاهدة مع النفس الأمارة بالسوء والتى تسعى إلى اللذات القريبة دون اعتبار للقيود والقيم ، نجاهدها أملا فى متعة التطهر وحسن الجزاء . والتسامى جهاد فى سبيل الله بالمال والنفس والعلم والعمل للارتقاء بالمجتمع كله تحقيقا للأمانة التى حملها الإنسان ( إنا عرضنا أمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ) (7) .
ما هى الطاقات المحركة للفرد عبر هذا التسامى النورانى ؟ .
هى طاقات كثيرة لا نستطيع تحديدها تحديدا واضحا ، إذ هى فى معظمها خبرات شخصية تختلف بين السالكين . ولكن دعنا نجتهد فى ثلاثة هى : النفس اللوامة ، والمنهج الإسلامي ، والنور الإلهي .
إن أول هذه الطاقات الدافعة تكمن داخل ذات الفرد ، إنها النفس اللوامة التى أقسم بها الله سبحانه وتعالى ( لا أقسم بيوم القيامة . ولا أقسم بالنفس اللوامة ) (8) . إن النفس اللوامة من حيث الوظيفة تعمل على مستويين ، المستوى الأول تلوم فيه صاحبها على الذنوب والمعاصى ، فيأتى الندم ومن بعده التوبة إلى أن تتحقق التوبة النصوح ، ويتطهر الفرد من كل الشوائب إلا اللمم ( والله يحب المطهرين ) (9) أما المستوى الثانى فيكون اللوم على نقص النوافل ونقص الخشوع ونقص الجهاد فضلا عن ذلك اللمم ، اللوم على الفجوة بين ما يتمناه العبد فى عبوديته لله تعالى وبين أدائه بالفعل ، مثل هذا اللوم فى نفس الفرد هو الذى يدفعه إلى الارتقاء فى سعى ودأب ، بقصد وصبر ، أن يعبد الله كأنه يراه . النفس اللوامة فى المستوى الأول تؤدى بصاحبها إلى الصحة النفسية ، أما فى المستوى الثانى فتدفعه إلى التسامى المستمر فى طريق النور .
وثانى هذه الطاقات المحركة تتولد من اتصال العابد بالمنهج الإسلامي ، بالقرآن والسنة المحمدية ، إن انشغاله بهما وتفاعله معهما عبر كل مناحى الحياة يولد فى نفسه طاقة متجددة تدفعه على طريق التسامى ، وهى خبرة شخصية تختلف بين السالكين باختلاف شخصياتهم وبنائهم النفسى .
فنفس الآية فى القرآن الكريم لها انعكاسات مختلفة فى نفوس قارئيها ، بل ويتباين نورها فى نفس العابد بقراءتها من آن لآخر .
وكذلك السيرة المحمدية ، والرسول كما وصفته عائشة ( كان قرآنا يمشى على الأرض ) ، فالقرآن شرع والرسول تطبيق وتحقيق ، ومن هنا فإن الفرد فى مواقف حياته وفى توزيع اهتماماته ، سيجد فى سيرة الرسول وسنته الأسوة الحسنة التى تحقق له عمليا التوافق السليم والتوازن السوى ، التوافق مع نفسه جسما وروحا ، ومع أهله زوجة وأولادا ، ومع مجتمعه وطنا وإنسانية ، والتوازن بين حاجات الحياة الدنيا ومتطلبات الحياة الأخرى فى تكامل جميل .هذا التوافق وذلك التوازن هما جوهر سعادة الدنيا والآخرة ، فبالمنهج الإسلامي – القرآن والسنة – يعرف الإنسان طريقه ويتسامى
أما ثالث تلك الطاقات المحركة للتسامى ، بعد النفس اللوامة والمنهج الإسلامي المتمثل فى القرآن والسنة ، هى جاذبية النور الإلهي وتعاظمه مع كل درجة يرتقى إليها العابد فى صعوده إلى مقام أعلى من مقامات التسامى .
فى مقال سابق بعنوان ( مقامات التسامى وحاجات الإنسان ) (10 ) ، واجتهدت فى تحديد ستة مقامات للتسامى تتدرج تدرجا هرميا ، أدناها مقام ( التوبة ) ثم الورع ، فالزهد ، فالتوكل ، فالمحبة ، ويأتى مقام ( رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم ) (11) . فالعابد وهو يرتقى هذا السلم النورانى ، يشع عليه فى كل درجة أو مقام نور جديد ، نور فى داخله ، ونور فى طريقه ، ومع كل نور جديد طاقة جديدة دافعة تسمو به إلى مقام أعلى ونور أعظم .. فهو يقترب ويقترب ( نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شىء قدير ) (12) .
هذه الثلاثية المقدسة – النفس اللوامة ، والمنهج الإسلامي ، ونور التسامى ، تحمل العابد إلى السعادة ، سعادة النفس فى الدنيا التى تسمو فوق أحداث الحياة وتعب الجسد ، وسعادة النفس فى الآخرة التى تنعم بنور اليقين والنظر إلى الله ( وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة ) ( 13 ) .
والإنسان فى هذه الثلاثية المقدسة فى جدل وصراع مع الثلاثية النقيض : النفس الأمارة بالسوء فى تضاد مع النفس اللوامة ، ومنهج اللذة والضلال فى تضاد مع القرآن والسنة ، وظلمات التدنى إلى الدرك الأسفل فى تضاد مع أنوار التسامى إلى الملأ الأعلى .
فاللهم أهدنا فيمن هديت ، وتولنا فيمن توليت ، يا نور السماوات والأرض أهدنا بنورك إلى نورك ، يا والى .. يا متعال .. يا نور .. يا هادى .
( يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد ) (14) .
( وأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها )( 15) .
1 سورة المائدة (44) 2 سورة المائدة (46) 3 سورة الفتح(28)
4 سورة الأحزاب (46) 5 سورة الرعد (18) 6 سورة يونس (26)
7 سورة الكهف (72) 8 سورة القيامة (1و2) 9 سورة التوبة (8)
10 مجلة النفس المطمئنة (46) 11 سورة المائدة (119) 12 سورة التحريم ( )
13 سورة القيامة (23) 14 سورة هود (105 ) 15 سورة هود (108 )