العلاقة بين الاكتئاب والايمان
يصرح في هذا المجال كل من الكاتب الإسلامي الدكتور أنور طاهر رضا والدكتورة أمل المخزومي
بأن التفاوت بين درجات الاكتئاب لدى المجتمعات تتفاوت بتفاوت واختلاف درجات الإيمان بالله وقدره وقضاءه وليس من قبيل الصدفة أن نجد زيادة عدد المصحات النفسية غير السريرية في مجتمع كأوربا، مثلاً، عنه في المجتمعات الإسلامية. كما يؤكد على أن انحسار الاكتئاب عن النفس البشرية منوط بإيمانها إذ كلما ازداد التقارب والتوجه إلى الله كان الاكتئاب معدوماً أو صفراً وهذا ما يتميز به المجتمع الإسلامي عموماً عن غيره من المجتمعات الأخرى وهي نعمة من نعم الله أضفاها على عباده المؤمنين.
كما يستعرض الله تعالى في كتابه المجيد الاكتئاب ويعبر عنه بأوجهه المتعارفة كالحزن وضيق الصدر إذ قال في سورة النحل الآية 127 (ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون) وقال في سورة الأنعام الآية 125 (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيقاً حرجاً كانما يصعد في السماء... ). ويقول أيضاً في سورة هود الآية 12 (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك... ).
ولاهم يحزنون
الحزن هو أحد مظاهر الكآبة النفسية وانعكاس عضلي لها يرتسم على عضلات الوجه أو العيون ولو بدون بكاء وتشنج ولربما ينعكس على العاطفة أيضاً فيزيدها تأججاً لتفشي وتفضح كوامنها المكبوتة. وكثيراً ما يقترن ضيق النفس بالحزن والكآبة ويترادفا معاً فحيثما وجد الضيق وجدت الكآبة والحزن معاً وبالعكس ولقد عبر الله تعالى في كتابه المجيد وفي مواقع متعددة عن الكآبة والاكتئاب بلغة الحزن وفراغ الفؤاد وضيق النفس والصدر والسأم أو الملل والخوف إذ قال في سورة القصص الآية 10 ( وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتبدي به لو لا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين).
إن رفع الاكتئاب والحزن المصاحب له وعلاجه القرآني من الناحية النفسية منوط بالعديد من السلوكيات الفردية الذاتية التي يحرض الله تعالى عباده على أدائها وكل من هذه السلوكيات يؤدي الغرض نفسه ولو اجتمعت في شخص لنأى عنه الاكتئاب أبدا. ومن تلك السلوكيات العلاجية النفسية التي يحرض الله تعالى عليها هي:
1. التقوى: إذ قال في سورة الزمر آية 61 (وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون) وقال في سورة الأعراف 7 آية 35 (فمن اتقى واصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
2. الإيمان بالله: إذ قال في سورة الأعراف الآية 48 (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن واصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وقال أيضاً في سورة المائدة الآية 69 (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وقال في سورة آل عمران الآية 139 (ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون إن كنتم مؤمنين) وقال أيضاً في سورة الأحقاف الآية 12 (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وقال في سورة الروم الآية 15 (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون).
3. الولاية لله: إذ قال في سورة يونس الآية 62 (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وأتبع في الآية 63 (الذين آمنوا وكانوا يتقون) ويلاحظ هنا الربط بين العناصر الثلاث التقوى والإيمان والولاية لله لتكون علاجاً شافياً للحزن والاكتئاب النفسي وقال في آية أخرى بلغة التبعية لله سورة البقرة الآية 38 (قلنا اهبطوا منها جميعاً فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وبديهي أن نجد هذه الآية تجمع بين عناصر العلاج النفسي الثلاثة للاكتئاب ولربما تزيد على ذلك لتوحي وتقول أن عباد الله من البشرية أجمعين الذين اتبعوا هدى الله تعالى وتعليماته لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهنا نجد أن العلاج النفسي يوجه للأفراد حتى من غير المسلمين والذين يعتبرون اخواناً في الخلقة والإنسانية.
4. الاستقامة والعمل الصالح: لقد قرن الله كلاً من الاستقامة والعمل الصالح بالإيمان والتقوى لرفع حالة الاكتئاب المذكورة وذلك عن طريق الاطمئنان النفسي الذي تخلقه كل من السلوكيتين المذكورتين فالاستقامة والعمل الصالح في عصورنا هذه بحاجة إلى جهاد نفسي وقناعة راكزة وإيمان راسخ يزيد من إفرازات الامينيا الأولية في الدماغ بصورة ذاتية معتدلة لينتفي الاكتئاب ويحل الفرح والحبور بديلاً عنه.
تلك هي التوصية القرآنية الدائمة والمتواصلة لعلاج الاكتئاب النفسي غير السريري في هذه الحياة الدنيا كما تشير إليها الآيات الكريمة المذكورة سابقاً.
5. التسبيح، السجود، العبادة: إذ قال في سورة الحجر الآية 97-99 (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين).
ولربما تمثل العمليات الثلاث السابقة علاجاً نفسياً وعملياً سريرياً للاكتئاب الداخلي للفرد بما في ذلك من حركات جسمية منشطة للخلايا الدماغية والمتوجهة إلى الله تعالى.