الرجال وتأثيرهم في الدعـــــــوة
لعل من الضروري التنبيه إلى أن ما آل إليه حال الأمة الإسلامية غير خارج بحال
من الأحوال عن السنن العاملة في هذا الكون
إذ أن عمليتي النهوض والسقوط الحضاريين, تتحكم فيها عوامل محددة
وتتجاذب معها التأثير والتأثر
وفي هذا السياق ظهرت محاولات جادة للنهوض بهذه الأمة ومحاولة الرجوع
بها إلى عصورها الزاهية
لتأخذ مكانها من جديد وتباشر رسالتها النورانية لبثها في العالمين
(كنتم خير أمة أخرجت للناس ), أي مواصلة ما كان عليه
الرعيل الأول, ومن تبعهم ومن سار على نهجهم والذين بصموا
في التاريخ صفحات خالدة
فكانوا بحق كما قال أحد الأساتذة الألمان :
كائنات تاريخية أي فاعلة فيه تصنع أحداثه وليست كائنات لها تاريخ أي يصنع
بها الحدث متأثرة لا مؤثرة .
والملاحظ على هذه المحاولات إنها لم ترق إلى المستوى المطلوب الذي يعود
بالأمة إلى سابق عهدها ومجدها
وهذا جعلنا نطرح السؤال التالي:
لماذا لم تصل هذه الجهود إلى الغاية المنشودة وتسير حاملة أغلى ميراث؟
الحقيقة والحال هذه, تصيبني الدهشة حينما أطالع ماكتب عن هذه المشاريع
الحضارية التي أرادت النهوض بالأمة, سواء كانت مشاريع
سلفية أو تحررية أو إحيائية, وحين انظر إلي ما رسمته من أهداف
وما ارتأته من وسائل, ثم أرى التعثر بعد ذلك لا أتستطيع أن اربط بين هذا وذاك.
ولنعطي مثالا على ذلك الحركات السلفية
فنجد أنها رسمت لنفسها طريق الإصلاح وعملت على تصفية الدين من الشوائب
والخرافات , وهذه في الحقيقة خطوات صحيحة, ولا جدال حولها ولكن كان لها نصيب
من التعثر والإخفاق, والأمر نفسه مع بقية المشاريع فقد اجتهدت
و اعتمدت على أسس متينة إلا أن نهايتها كانت إلى الانحسار .
إن الحقيقة التي لا شك فيها, أن هذه المناهج لم تطبق كما أريد لها فالإشكالية
إذن تكمن في التطبيق لا في المنهج
وهذا بدوره يؤدي إلى التساؤل عن العنصر المهم في العملية الإصلاحية
أو التغيرية أي من يتحمل أعباء المنهج ويسير به إلى النهاية أو الهدف
إلى حيث أرادت الجماعة أو الحركة
إذن فالمسالة جوهرية فبقدر ما يكون التخطيط لمنهج معين في الدعوة
أو العمل الإسلامي مهم بقدر ما يكون اختيار المنفذ مهم أيضا .
من المتعارف عليه أن أي مشروع لا يستوي على سوقه إلا إذا كان وراءه
رجال مخلصين يستطعون تحمل المشاق والتضحية بنفوسهم في سبيل الفكرة
والعقيدة, وهذا الذي أراه ينقص عملية النهوض الحضاري للامة
فلا زالت الأمة الإسلامية بحاجة إلى رجال من طراز رفيع يهبون أنفسهم
لخدمة الدعوة ويشترون أنفسهم بالآخرة
أشداء لا يتنازلون أمام العراقيل ولا يساومون بمبادئهم وأفكارهم .
إن المشروع النهضوي للأمة بحاجة إلى رجال كما كان الرعيل الأول ذلك الأنموذج
الحي الفريد, الذين سجل لهم التاريخ صفحات بطولة انصع من بياض الثلج
فهاهو الصديق رضي الله عنه أرضاه عندما ارتدت قبائل العرب في احلك أوقات
الدولة الإسلامية الحديثة
يقول بحزم ( والله لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة)
وقال:( والله لو منعوني عقال بعير كان يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم عليها) .
لقد عرف الصحابة قيمة رجل كابو بكر في مسار الدعوة حتى أن أبا هريرة
رضي الله عنه قال :
(والله الذي لا اله إلا هو لولا استخلاف أبو بكر ما عبد الله ).
هنا يبرز الرجال وهنا ميدانهم ففي الليلة الظلماء يفتقد البدر .
والأمثلة على هذا كثيرة فلما أرسل أبو بكر رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص
يستدعيه في حروب الردة لم يتخلف عن الموعد ولم يتعذر بعذر من الأعذار
بل قال في شجاعة :
( اني سهم من سهام الإسلام وأنت بعد الله الرامي بها والجامع لها ...
فانظر اشدها و أخشاها و أفضلها فارم به شيئا إن جاءك من ناحية من النواحي).
إن للرجال دور كبير في خدمة الدعوة وتحقيق المنهج وتطبيقه
فقد يكون المنهج الذي نرتضيه لعملنا ممتازا وصالحا, ولكن هذا لا يجدي إذا لم يكن
له من ينزله على ارض الواقع, ومن يجعله واضحا للعيان متحققا بسيرة
وسلوك عملي واقعي, حتى يحسن بعد ذلك الاقتداء به
فالأمة تحتاج إلى رجال يكون التحاقهم بها فتحا ومكسبا عظيما
أولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم :
( اللهم اعز الإسلام بأحد العمرين عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام) .
إن الرجل الحازم المقتنع با فكاره المؤمن بها إيمانا جازما هو الرجل الذي
يستطيع أن يغير فعلا, وبالتالي فان طريقنا إلى تحقيق المشروع الحضاري
يتطلب أن نكون رجالا بما في الكلمة من معنى, نتشرب الوفاء والتضحية
والجلد في سبيل تجسيد الهدف والغاية
بن بوزيان عاشور ,دراسات عليا_كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية جامعة باتنة