العودة   منتديات رنيم للحوار > منتديات رنيم الاسلاميه > منتدى الفكر والعلـوم الإسلامية
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم اجعل كافة المشاركات مقروءة
 

منتدى الفكر والعلـوم الإسلامية واحة القرآن والسنة وعلومهما وما يتعلق بعلوم الشريعة بالأدلة الصحيحة

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 17-02-2008, 01:44 رقم المشاركة : 1
الحسن محمد ماديك
رنيمي مبتدئ
 
تاريخ التسجيل : Feb 2008
رقم العضوية : 27907
المواضيع :
الردود :
مجموع المشاركات : 15
بمعدل : 0.05 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 10
معدل تقييم المستوى : الحسن محمد ماديك is on a distinguished road
المخالفات : 0/0 (0)
معلومات إضافية

الحسن محمد ماديك غير متواجد حالياً

افتراضي مقدمة التفسير "من تفصيل الكتاب وبيان القرآن"ج 2

القول

إن القول هو ما في القرآن من قوله } قل { للدلالة على أن ما بعدها هو من الغيب يوم نزل القرآن ، فلن يقع في حياة النبي r وإنما بعده متأخرا في أمته قبل انقضاء الدنيا ومنه قوله :
· } قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين { خاتمة الملك
· } وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون { خاتمة النمل
وليس من القول ما في الكتاب من قوله } قل { كما في فاتحة الإخلاص والفلق والناس وكما في قوله } ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا { طه 105 ـ 107 وقوله } ويسألونك عن المحيض قل هو أذى { البقرة 222 وقوله } ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن { النساء 127 وقوله } قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم { الواقعة 49 ، وإن المثاني :
· } إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا { المزمل 5
· } أفلم يدبروا القول { الفلاح 68
· } وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون { النمل 82
لتقع على القول في القرآن خاصة لأنه قد تضمن موعودات ثقيلة لن يسلم فيها إلا من تدبر القرآن ، ولم تقع بعد منذ نزل القرآن إلى يومنا هـذا ولو وقعت لأخرج ربنا دابة من الأرض تكلم الناس بما قصروا عنه من اليقين بآيات ربهم ، ويومئذ يوقن الناس بقرب الساعة ، وإن خروج الدابة لمن الآيات الخارقة الموعودة كما في قوله } سيريكم آياته فتعرفونها { ومن المثاني معه قوله } سأوريكم آياتي فلا تستعجلون { الأنبياء 37 وكما بينته في كلية الآيات .

ضرب الأمثال وتصريفها

لقد حوى القرآن ضرب الأمثال التي سيراها الناس في الدنيا ، وليست الأمثال في القرآن هزلا ولا تسلية وكان حريا بالناس أن يعقلوها لولا قوله } وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون { العنكبوت 44
وإن المثاني :
· } ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل { الروم 58 الزمر 27
· } ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل { الإسراء 89
· } ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل { الكهف 54
لتعني أن من قرأ القرآن سيجد فيه مثل الذي آمن واتقى والذي كفر وعصى ومثل الذي أسلم لرب العالمين ومشى على الأرض هونا والذي استكبر في الأرض بغير الحق ، ومثل الجماعة المسلمة الممكنة في الأرض مع طالوت وداوود وسليمان وذي القرنين ومحمد r بعد غزوة الأحزاب ونموذج القلة المؤمنة الخائفة كأصحاب الكهف ، ومثل الذي ادكر ونجا والذي أعرض وهلك ومثل الذين نجوا برحمة الله من بأس الله في أيام الله والذين حق عليهم القول فدمرهم ربهم تدميرا .

الذكر

إن الذكر هو ما سيتذكر من القصص والحوادث الماضية التي نبأ بها الله في القرآن رسوله وخاتم النبيين r ، ليتذكرها من عقلها في القرآن إذا وقع مثلها في الدنيا .
إن قوله :
· } لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون { الأنبياء 10
· } ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر { المكررة في القمر
· } ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق { ص 1 ـ 2
ليعني أن القرآن إنما حوى من القصص والحوادث الماضية ما سيقع مثله في هـذه الأمة ليتذكرها من يعقل ، وإن الذين يحسبون القرآن للتسلية كأنما هو قول هزل وما هو بالفصل ولا بالقول الثقيل لم يفقهوا منه نقيرا ولا فتيلا ، أفلا يتدبرون القرآن ، وقد أمر الله فيه بالذكر والتذكر والذكرى مع كل حادثة أو قصة سيقع مثلها في هـذه الأمة ، إذ الذكر حرف من الأحرف السبعة وجميع ما في القرآن منه سيتذكر مثله في هذه الأمة كما في قوله } يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم { المائدة 11 ومن المثاني معه قوله } يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا { الأحزاب 9 ـ 12 ومنالذكر في القرآن قوله } وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم { الكهف 50 الإسراء 61 البقرة 34 وشبهه وبينته في كلية الآيات .

الغيب في القرآن

إن قوله:
· } ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين { النمل 20
· } وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين { الانفطار 14 ـ 16
· } وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين { يوسف 81
ليعني أن الغيب هو ما غاب عنك من الحوادث فلم تشهده ، وكان الهدهد من الغائبين غير حاضر حين تفقد سليمان الطير ، وإن الفجار يوم الدين ليشهدون الجحيم ويكبكبون فيها وما هم عنها بغائبين بل حاضرين ، ولم يك إخوة يوسف قادرين على منع ما غيب الله من الغيب ومنه ألا يرجع معهم أخوهم الذي أرسله معهم أبوهم ليكتالوا ويزدادوا كيل بعير .
وإن الموعود في الكتاب المنزل على خاتم النبيين r يوم نزل هو الغيب ، ومنه موعودات في اليوم الآخر كجنات عدن التي وعد الرحمان عباده بالغيب ، وكان الذين يتبعون الذكر ويخشون ربهم الرحمان في الدنيا قبل أن يحضروا يوم القيامة هم الذين يخشون ربهم بالغيب والمبشرون بمغفرة وأجر كبير .
وإن الموعود في القرآن يوم نزل هو الغيب وسيأتي من بيانه في بيان القرآن .

الوعد في الدنيا

إن من تفصيل الكتاب أن ما تضمن الكتاب عن يوم البعث فما بعده هو وعد من الله أن يقع كما أخبر كما في قوله } ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين { الأعراف 44 ولم يقع شيء منه بعد وإنما هو وعد من الله سيقع نفاذه في اليوم الآخر .
وقد تضمن القرآن وعدا في الدنيا بصيغ مختلفة كما هو مدلول بعض أسماء الله الحسنى وكما في قوله } فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون { التوبة 55 وكما في قوله } ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم ويخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون { يس 49 ـ 50 وإنما هو في الدنيا كما هو صريح حرف التوبة وكما هو مدلول الموت بصيحة واحدة وموطن الاختصام والوصية والأهل وقد بينته في كلية النصر في ليلة القدر ، وكما في قوله } سأوريكم آياتي فلا تستعجلون ويقولون متى هـذا الوعد إن كنتم صادقين { الأنبياء 36 ـ 37 وإنما يستعجل المنتظر الموعود وقد علم المشركون يوم نزل القرآن أنه وعد في الدنيا فسألوا النبي r متى هو وبينته في كلية الآيات .

ومن الوعد في الدنيا والآخرة :

ـ الكلمات

إن الموعودات من الله رب العالمين في الكتاب المنزل على النبي الأمي r ليقع عليها حقا الوصف بأنها كلمات الله وكلمات ربنا الذي قال لها من قبل } كن { وستكون إذا وافقت الأجل الذي جعل الله لها وهكذا وعد الله في الكتاب المنزل أن لا تبديل ولا مبدل لها أي ستتم صدقا وعدلا كما أخبر الله من قبل في القرآن كما في قوله :
· } اتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته { الكهف 27
· } ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين { الأنعام 34
· } وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم { الأنعام 115
· } ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم { يونس 62 ـ 64
إن من تفصيل الكتاب أن كلمة ربنا إنما تعني وعدا منه قد تضمنه الكتاب المنزل من عنده تفصيلا .
وإن من كلمات ربنا ما تضمنه الكتاب وسيتم نفاذه في اليوم الآخر .
وإن من كلمات ربنا ما تضمنه القرآن وسيتم نفاذه في الدنيا .
ومما تضمنه الكتاب من كلمات ربنا قوله :
· } وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون { يونس 19
· } ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب { فصلت 45 هود 111
· } وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب { الشورى 14
· } ولقد بوأنا بني إسراءيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون { يونس 93
· } ولقد آتينا بني إسراءيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون { الجاثية 15 ـ 16
ومن تأمل حرف هود وفصلت والشورى وأول يونس فقه أن كلمة قد سبقت من ربنا أن يؤخر القضاء بين المختلفين بعد إيتاء موسى التوراة إلى أجل مسمى ، ولم تتضمن هـذه الأحرف تفصيل الكلمة التي سبقت من ربنا .
ومن تأمل حرف الجاثية وثاني يونس فقه أن الكلمة التي سبقت من ربنا بعد اختلاف بني إسراءيل في التوراة هي وعده في الكتاب أن يؤخر القضاء بين المختلفين في الكتاب إلى يوم القيامة وفقه أن قوله } إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون { في الجاثية وثاني يونس هو الكلمة التي سبقت من ربنا كما في فصلت والشورى وهود وأول يونس أي وعده الذي سبق منه ولا يخلف الله وعده .
وكان من تفصيل الكتاب أن تفصيل الوعد الذي تضمنه حرف الجاثية وثاني يونس لم يصاحبه ذكر الكلمة التي سبقت ، وحيث أجمل الوعد وقعت الإشارة إلية بالكلمة التي سبقت كما في حرف هود وفصلت والشورى وأول يونس .
وكذلك تضمن الكتاب كلمات من ربنا هي وعد منه حسن سيتم نفاذه في الآخرة كما في قوله :
· } وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين { هود 119
· } ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين { السجدة 13
· } قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين { ص 84 ـ 85
· } قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين { الأعراف 18
· } قال هـذا صرط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين { الحجر 41 ـ 42
· } وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار { غافر 6
· } أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار { الزمر 19
· } وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هـذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين { الزمر 71 ت 72
· } قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا { القصص 62
ويعني قوله } لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين { وقوله } لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين { وقوله } لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين { وقوله } إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين { هو القول والكلمة أي الوعد الذي أخبر الله به يوم أبى إبليس واستكبر أن يسجد لآدم مع الساجدين ، وهو القول والكلمة والوعد الذي سيحق أي يقع على الكافرين فيكونون من أصحاب النار في جهنم خالدون .
وتضمن القرآن كلمات من رب العالمين هي وعد حسن منه في الدنيا كما في قوله :
· } وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون وجاوزنا ببني إسرائيل البحر { الأعراف 137 ـ 138
· } وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم { الأنعام 115
· } كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون { يونس 33
· } إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم { يونس 96
وقد تقدم من بيان حرف الأعراف في الأسماء الحسنى ، وسيأتي بيانه كله في بيان القرآن .
إن الحديث النبوي الصحيح " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق " ليعني أن النبي الأمي r قد علّم المؤمنين أن يدعوا الله ليحفظهم ويعصمهم من شر ما خلق ومنه فتنة الدجال وإغواء الشيطان متوسلين إليه بإيمانهم بكلماته التامات أي وعوده التي ستتم أي تنفذ وتقع إذا وافقت الأجل الذي جعل الله لها في الدنيا كالآخرة ، ومن العجب أن الذين يرددون دعاء النبي الأمي r منذ عشرات القرون لم يفقهوه ...

ـ الدعاء

إن الدعاء حيث ورد في المصحف فهو إذن من الله للمؤمنين أن يدعوه به فليس هو من الاعتداء في الدعاء وإنما هو دعاء الله بما علمنا من الكتاب المنزل من عنده أنه من وعده .
فإن كان الدعاء في الكتاب فهو وعد سيتم نفاذه في الدنيا أو الآخرة أو فيهما كما في قوله } ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار { البقرة 201 ومن الدعاء في الكتاب الذي سيقع نفاذه في الدنيا قوله } ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به { البقرة 286 ومنه من قبل قوله } وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين { الأنبياء 89 ، ومن الدعاء في الكتاب الذي سيقع نفاذه في الآخرة قوله } ربنا ما خلقت هـذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار { عمران 191 ـ 192 .
وإن كان الدعاء من القرآن فهو وعد من الله سيتم نفاذه في الدنيا كما في قوله } اهدنا الصراط المستقيم { وقوله } واجعلنا للمتقين إماما { الفرقان 74 وقوله } ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا { عمران 193 وقوله } ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك { عمران 194 وسيأتي بيانه في كلية الرسالة .
وكان من علم النبيين أنهم لا يدعون الله إلا بما علموا من الكتاب المنزل عليهم أو علموا من الوحي إليهم أو علموا مما عرض عليهم أنه من وعد الله .
ولما دعا نوح ربه بما ليس له به علم بالوحي إليه به ولا بالكتاب المنزل إليه أوحي إليه كما في قوله } قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين { هود 46 ويعني قوله } إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح { صحة الحديث النبوي أن لا يرث الكافر المسلم .

الأمر بالصبر

إن من تفصيل الكتاب وبيان القرآن أن التكليف بالصبر أو الوصف به حيث وقع في الكتاب المنزل فإنما يعني الإيمان بموعود والصبر على انتظاره من غير تعجل وكذلك دلالة قوله :
· } فاصبر إن وعد الله حق { الروم 60 وغافر 55 ، 77
· } فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون { خاتمة الأحقاف
ويعني تأكيد نفاذ وعد الله وأنه حق ولو تراءى بعيدا للمكلف بالإيمان به أو للمكلف بالصبر ، وسيأتي بيان الأحرف الثلاثة أي حرف الروم وحرفي غافر في بيان القرآن ، وسيأتي بيان حرف الأحقاف في كلية النصر في ليلة القدر .
وإن من المثاني قوله :
· } وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين { الأعراف 87
· } واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين { خاتمة يونس
· } فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت { القلم 48
· } واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا { الطور 48
ويعني حرف الأعراف أن رسول الله شعيبا قد أمر قومه مدين أن يصبروا ولا يتعجلوا حكم الله بين الطائفتين وهو صريح في أن الله قد وعدهم أن يحكم بين الفريقين في الدنيا فينجي المؤمنين ويهلك بالعذاب المجرمين .
ويعني حرف يونس أن الله وعد في القرآن أن يحكم بين الفريقين في الدنيا كما يأتي تفصيله وتحقيقه وبيانه في كلية النصر في ليلة القدر .
ويعني حرف القلم أن وعد الله المفصل في قوله } فذرني ومن يكذب بهـذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين { القلم 44 ـ 45 هو حكمه الذي كلف النبي الأمي r بالصبر على انتظاره .
ويعني حرف الطور أن الله قد كلف النبي الأمي r بالصبر على انتظار حكمه بين الفريقين في الدنيا كما هو مفصل في قوله } فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون واصبر لحكم ربك { الطور 45 ـ 48
وكان أمر النبي الأمي r بالصبر حيث وقع في الكتاب المنزل عليه من سنّته التي كلف بها ولزم من اتبعه أن يصبر وينتظر حكم الله ووعده .
وإن قوله :
· } قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هـذا فاصبر إن العاقبة للمتقين { هود 48 ـ 49
· } قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين { الأعراف 128
· } وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون { الأعراف 137
· } ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين { الأنعام 34
· } ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هـذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين { عمران 124 ـ 125
ويعني حرف هود أن قوله } وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم { لمن أنباء الغيب المنتظرة بعد نزول القرآن ولقد نبّأ الله به نوحا من قبل وسيتم نفاذ وعد الله به لتكون العاقبة للمتقين وكلف النبي الأمي rبالصبر قبل نفاذ وعد الله فكان من سنته ولزم من آمن به اتباع سنته .
ويعني أول الأعراف أن قوله } إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده { لمما وعد به موسى قومه قبل هلاك فرعون وتعني التذكرة به في القرآن أن الوعد لم ينقض بعد يوم نزل به القرآن ولا يزال منه ما شاء الله إلى أن يكون آخره نفاذ وعد الله } والعاقبة للمتقين { على لسان موسى وكلف قومه بالصبر قبل نفاذه .
ويعني ثاني الأعراف أن تدمير ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون وأن ونجاة بني إسرائيل إذ جاوزوا البحر هو كلمة ربنا التي تمت أي وعده الذي نفذ وتمّ لما صبروا أي آمنوا بوعد الله وانتظروه .
ويعني حرف الأنعام أن الله قد وعد رسله بالآيات قبل نزول القرآن أن ينصرهم في الدنيا وأنهم قد آمنوا بوعد الله وصبروا على انتظاره وأوذوا حتى أتاهم نصر ربهم فأهلك عدوهم واستخلفهم في الأرض من بعدهم .
ويعني حرف عمران أن قوله } ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين { لمن وعد الله في القرآن وكلف المؤمنون بالصبر قبل نفاذه المؤكد بالحرف } بلى { وبينته في كلية النصر في ليلة القدر .

الحمد

إن قوله } يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده { الإسراء 52 ليعني أن الناس سيبعثون في يوم البعث فلا يبقى منهم أحد بل يتم ذلك الوعد بحمد الله ، وهكذا كان من تفصيل الكتاب أن " الحمد لله " حيث وقع فإنما لبيان نعمة قد تمت ونفذت يوم نزل القرآن أو لبيان نعمة هي من وعد الله سيتم نفاذه في الدنيا أو في الآخرة .
ومن الأول قوله :
· } الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور { الأنعام
· } الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب { الكهف
· } الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق { إبراهيم 39
ولا يخفى أن جميعه مما مضى وانقضى .
ومن الثاني قوله :
· } فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين { الأنعام 45
· } فإذا استويت أنت ومن معك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين { الفلاح 28
· } وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء { الزمر 74
ويعني حرف الأنعام أن قطع دابر القوم الذين ظلموا من قوم نوح والأحزاب من بعدهم هو مما وعد الله به رسلهم نوحا وهودا وصالحا ولوطا وشعيبا وموسى وقد تمت النعمة به على المؤمنين ، ويعني كذلك أن قطع دابر الذين ظلموا من هـذه الأمة وعد من الله نزل به القرآن وسيتم بحمد الله كما بيّنته مفصلا في كلية النصر في ليلة القدر .
ويعني حرف الفلاح أن الله وعد نوحا أن ينجيه هو ومن معه من الطوفان وأمرهم بحمده إذا تم الوعد به ، ويدل على الوعد به قوله } ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق { هود 45 يعني تمسك نوح بوعد الله أن ينجيه ومن معه ظنا منه دخول ابنه في من معه .
ويعني حرف الزمر أن أهل الجنة يوم يدخلونها سيحمدون الله أن صدقهم الوعد بها في الدنيا .
وإن قوله :
· } دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين { يونس 10
· } وقيل للذين اتقوا ماذا قال ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هـذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون { النحل 30 ـ 32
· } أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا { 15 ـ 16
· } من خشي الرحمان بالغيب وجاء بقلب منيب ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد { سورة ق 33 ـ 35
· } والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير { الشورى 22
· }والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين { الزمر 34 ـ 35
ويعني حرف يونس أن أهل الجنة تجاب دعوتهم عند فراغهم من الدعاء فيعطون ما يشاءون فيكون آخر دعواهم } الحمد لله رب العالمين { يعني أن صدقهم الوعد وأتم النعمة فأعطاهم ما يشاءون ويبتغون ، وإنما دعاؤهم التسبيح أي تنزيه الله أن يخلف وعده أن لهم في الجنة ما يشاءون وكما بيّنت في دلالة التسبيح .
وإن من المثاني قوله :
· } ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون { النحل 75
· } ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون { الزمر 29
ويعني أن البشرية قبل نزول القرآن قد عرفت المثلين وأن من وعد الله أن ستعرفهما بعد نزول القرآن كما هو دلالة قوله } هل يستوون { وكما هي دلالة الحمد ولو جهل أكثر الناس فسيتم ذلك الوعد .
وإن من المثاني قوله :
· } ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون { العنكبوت 63
· } ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون { لقمان 25
ويعني حرف العنكبوت أن الله الذي نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها وعد أن يحيي الموتى يوم البعث وسيتم بحمد الله ذلك الوعد ولو كذّب الذين لا يعقلون .
ويعني حرف لقمان أن الله الذي خلق السماوات والأرض سيخلق مثلهم ليوم البعث أي بعد إعدامهما فلا يبقى منهم شيء وعدا منه سيتم نفاذه بحمد الله ولو جهله أكثر الناس .

تقديم الموعود الأول وتأخير الثاني في سياق خطاب المكذبين بالغيب

إن من تفصيل الكتاب وبيان القرآن ترتيب الكلام بتقديم الموعود الأول في سياق خطاب منكري البعث واليوم الآخر والغيب في القرآن كما في قوله } قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يردّ إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا { االكهف 87 ويعني أن الموعود الأول الذي سيلاقيه من ظلم أن سوف يعذبه ذو القرنين في الدنيا وأن الموعود الثاني الذي سيلاقونه هو أن يردوا إلى ربهم في اليوم الآخر فيعذبهم عذابا نكرا في النار .
وكما في قوله } قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد { آل عمران 12 ويعني أن الموعود الأول الذي سيلاقيه الذين كفروا بعد نزول القرآن وحياة النبي r كما هي دلالة القول أنسيهزمون في الدنيا ويولون الدبر ويغلبهم المؤمنون كما بينت في كلية } والعاقبة للمتقين { وأن الموعود الثاني الذي سيلاقيه الذين كفروا أن يحشروا إلى جهنم أي في اليوم الآخر .
وكما في قوله } أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب { البقرة 85 ويعني أن الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض وهم الذين آمنوا بالتوراة وكفروا بالإنجيل أو آمنوا بالتوراة والإنجيل وكفروا بالقرآن وكما بينت في كلية الكتاب قد وعدوا في القرآن بوعدين أولهما أن سيلاقون خزيا في الحياة الدنيا وثانيهما أن سيردون يوم القيامة إلى أشد العذاب ويعني أنهم قد أصابهم في الدنيا عذاب سيردون يوم القيامة إلى عذاب أشد منه كما بينت في كلية الكتاب .
وكما في قوله } قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم { الزمر 39 ويعني أن من القول في القرآن المتأخر عن حياة النبي r أن سيأتي المكذبين بالقرآن عذاب يخزيهم في الدنيا وهو الموعود الأول وأن سيحلّ عليم عذاب مقيم في النار وهو الموعود الثاني .
وقد تضمن تفصيل الكتاب المنزل ترتيب الوعدين على الأصل بتقديم الأقرب وتأخير المتأخر عنه .

تقديم الموعود المتأخر في سياق خطاب المؤمنين بالغيب

إن من تفصيل الكتاب وبيان القرآن تقديم الموعود الثاني "المتأخر زمانه" يوم نزل القرآن وتأخير الموعود الأول "المتقدم زمانه" في سياق خطاب المؤمنين بالغيب كما في قوله } وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا { الكهف 88 ويعني أن من آمن وعمل صالحا قد وعد وعدين على لسان ذي القرنين تقدم ذكر المتأخر منهما وهو قوله } فله جزاء الحسنى { يعني بالجنة في اليوم الاخر ، وتأخر ذكر الموعود المتقدم منهما وهو قوله } وسنقول له من أمرنا يسرا { وهو في الدنيا لدلالته على ما سينالهم من ذي القرنين .
ومنه قوله } فلا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون { إبراهيم 42
ولقد أضيف إليه موعودان تقدم ذكر المتأخر منهما وهو قوله } إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء { إبراهيم 42 ـ 43 ولا يخفى أنه موعود أخر عن الظالمين سيقع بهم يوم القيامة تقدمت تلاوته وسيقع متأخرا عن الموعود الأول الذي سيأتي أولا رغم تأخر تلاوته وهو قوله } وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل { إبراهيم 44 وإنما هو وعد في الدنيا وبقرينة طلب التأخير الذي يعني أنهم لا يزالون في الدنيا وأما المكذبون في الآخرة فيسألون أن يردوا إلى إلى الحياة الدنيا كما بينت في كلية النصر في ليلة القدر وكما يأتي بيانه ضمن بيان القرآن ، وبقرينة أن الدنيا هي محل التكليف والإيمان بالرسل .
ومنه قوله } والله يعدكم مغفرة منه وفضلا { البقرة 268 وقد تضمن وعدين اثنين في خطاب المؤمنين بالغيب وتأخر ذكر الأول منهما وهو قوله } وفضلا { يعني أن الله يعدهم فضلا ومحله الدنيا وهو فضل عريض كما بينت في كلية الكتاب وفي بيان القرآن ، وتقدم ذكر الموعود المتأخر منهما وهو قوله } والله يعدكم مغفرة منه { يعني في الأخرة محل المغفرة كما هي دلالة قوله :
· } والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين { الشعراء 82
· } ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب { إبراهيم 41
· } مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من عسل مصفى وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم { القتال 15
وحرف الشعراء وإبراهيم صريحان في أن محل المغفرة هو اليوم الآخر وكذلك دلالة حرف القتال الذي يعني أن من تمام نعمة الله على أهل الجنة وهم فيها يتنعمون مغفرة من ربهم فلا تعرض عليهم أعمالهم السيئة في الدنيا لئلا تنغّص عليهم ما هم فيه من النعيم بخلاف أهل النار الذين تعرض عليهم أعمالهم وهم في النار ليزدادوا قنوطا من الرحمة كما هي دلالة قوله } كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار { البقرة 167 وهكذا نتبين علم موسى قبل الرسالة يوم قتل القبطي كما في قوله } قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم { القصص 16
ومنه قوله :
· } وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه { هود 3
· } ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين { هود 52
· هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب { هود 61
· } واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود { هود 90
ويعني خطاب هذه الأمة في أول هود وخطاب هود قومه وخطاب صالح قومه وخطاب شعيب قومه أن المخاطبين جميعا خوطبوا بخطابين تقدم ذكر الأكبر منهما وهو الاستغفار أي طلب المغفرة من الله في يوم القيامة فمن رهب الحساب وسأل غفران الذنوب فلا تعرض عليه ليحاسب عليها فقد آمن بالغيب وأصبح حريا بالخطاب الثاني المتأخر ذكره وهو التكليف بالتوبة إلى رب العالمين أي التكليف بالاستقامة بالأعمال الصالحة في الدنيا موطن التكليف ، ومن العجائب أن مدين قد قالت لشعيب كما في قوله } قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول { هود 91 أي أنهم لم يفقوا أمرهم بالاستغفار قبل التوبة وما أكثر من لم يفقهوا ذلك منذ نزل القرآن على يومنا هذا فاعلم .

من دلالة الوعيد في الكتاب المنزل

إن من تفصيل الكتاب وأصول الخطاب أن الوعيد في الكتاب المنزل قرينة على أن سيقع من الناس بعد نزول القرآن عمل يجزون به الوعيد في الكتاب في الدنيا أو في الآخرة كما في قوله } إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة { النور 19 ويعني أن قد أحب إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا قوم يوم نزل القرآن ومنهم الذين قذفوا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وسيأتي بعد نزول القرآن قوم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ويرمون بالإفك مطهرة مبرأة مصطفاة كما بينت في المنظرين في كلية الآيات وسيلعنون في الدنيا والآخرةوسيعذبون عذابا أليما .
وكما في قوله } إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق { البروج 10 ويعني أن قد وقع يوم نزل القرآن وقبله أن فتن قوم المؤمنين والمؤمنات ولم يتب أولئك الفاتنون وسيعذبون بعذاب الحريق في اليوم الآخر وسيقع بعد نزول القرآن مثله .

النهي في الكتاب المنزل

إن من تفصيل الكتاب وأصول الخطابأن الله علام الغيوب لم ينه إلا عمّا علم أن سينتهك وهـكذا أكل آدم وزوجه من الشجرة التي نهاهما ربهما عنها ، وفتن الشيطان من بني آدم رغم قوله } يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان { الأعراف 27ووقع من الناس الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله قتلها فقتلوها بغير حق وقتلوا أولادهم خشية إملاق وأكلوا مال اليتيم ووقع بعضهم في الزنا وفي ما ظهر وبطن من الفواحش وأكلوا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به وسائر المحرم أكله وشربه رغم النهي عنه في الكتاب المنزل .
وهـكذا غلا أهل الكتاب في دينهم غير الحق واتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ، وقال أهل الكتاب على الله غير الحق رغم نهيهم عنه في الكتاب المنزل .
أما ما نهي عنه الملائكة والنبيون فإنما هو أعلى درجات التحريم كنهيهم عن الشرك وكنهي النبيين عن الغلول ونهي النبي عن الطلاق المحرم كما بينت في من أصول الفقه وسيأتي تفصيله .

فعل الأمر في الكتاب

إن قوله } قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم { الإسراء 50 ـ 51 ليعني أن الأجساد بعد الموت ستكون حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدور منكري البعث وأنهم سيبعثون بعد ذلك .
وإن قوله } إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير { فصلت 40 ليعني أن الذين يلحدون في آيات ربهم سيعملون كثيرا مما يشاءون في الدنيا وأن الله غير غافل عما يعملون .

فعل الأمر في القرآن

إن المثاني في قوله :
} يحذر المنافقون أن تنزل عليه سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون { التوبة 64
} واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه { البقرة 235
ليعني أن الله سيخرج ما يحذر المنافقون فينزل سورة تنبئهم بما في قلوبهم وأن سيعلم الناس كلهم أن الله يعلم ما في أنفسهم حين يأتي أمر من عند الله يفضح المنافقين الذين يسارعون في الكفر كما في قوله } فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهـؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين { المائدة 52 ـ 53 وجميعه من الوعد في الدنيا ومن الآيات الخارقة الموعودة كما بينته في كلية الكتاب وكلية الآيات .
وإن قوله :
} فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون { غافر 14
} ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون { عمران 104
ليعني أن سيكون في هـذه الأمة بعد نزول القرآن أمة يدعون الله مخلصين له الدين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وهم الطائفة المنصورة التي لا يضرها من خذلها ولا من خالفها كما في الأحاديث النبوية وسيأتي بيانه في كلية الخلافة على منهاج النبوة .
ومن المثاني قوله :
} قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه { سورة طـه 97
} قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم { الإسراء 63 ـ 64
ويعني حرف طـه أن السامري سيسجن في حيث لا يمسه أحد ولا يمس هو أحدا إلى أن يبلغ أجلا لن يخلفه أي هو من المنظرين كما بينت في كلية الآيات .
ويعني حرف الإسراء أن إبيس يوم أبى أن يسجد لآدم لم يعجل له العذاب بل حعل من المنظرين كما بينت في كلية الآيات وأن من وعد اللهفي الدنيا أن سيتبعه من بني آدم من سيعذبون في جهنم ممن سيصرفهم بصوته عن الهدى من عند الله وسيخوفهم بخيله ورجله وممن سيشاركهم في الأموال والأولاد ويعدهم النصر على أولياء الله كما سيأتي بيانه .

أولئك

إن من تفصيل الكتاب وأصول الخطاب أن الموصين المشار إليهم ب"أولئك" في الكتاب المنزل إنما لبيان أن قد مضى بعضهم يوم نزل القرآن ولما يلحق بهم آخرون من الأجيال اللاحقة سيعملون مثل عملهم ويتصفون بصفتهم وكما هي دلالة قوله } والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون { الفلاح 5 ـ 7 المعارج 29 ـ 31 ويعني أن قد ابتغى الفواحش وترك ما أحل له من الأزواج جمع من الناس يوم نزل القرآن وسيبتغيها كذلك آخرون بعد نزول القرآن وهم الذين لم يتعظوا بالقرآن ولم ينتهوا به وهم العادون .
وكمافي قوله } والذين لا يدعون مع الله إلـها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنزن ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلدفيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما { الفرقان 68 ـ 70 ويعني أن قد مضى يوم نزل القرآن قوم أشركوا بالله وقتلوا النفس التي حرم الله قتلها وزنوا ثم تابوا وآمنوا وعملوا عملا صالحا وسوف يبدل الله في اليوم الآخر سيئاتهم حسنات وهو الغفور الذي سيغفر سيئاتهم ويسترها فلا يفضحهم بها يوم يقوم الحساب وهو الرحيم الذي سيرحمهم بحسناتهم ولا يعذبهم بسيئاتهم ، وسيعمل قوم بعد نزول القرآن مثل ذلك وسيبدل الله سيئاتهم حسنات وكما هي دلالة قوله } وكان الله غفورا رحيما { أي أنه قد غفر ورحم من قبلهم يوم نزل القرآن كما بينت في الأسماء الحسنى .
وكما في قوله } وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كناترابا أءنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون { الرعد 5 ويعني أن قد أنكر البعث والحساب قوم يوم نزل القرآن فكفروا وسيعذبون في النار والأغلال في أعناقهم وسينكره بعد نزول القرآن قوم آخرون لم يتعظوا بالقرآن .

الظن

إن للظن في تفصيل الكتاب أكثر من دلالة فمنه ما هو مذموم ومنه ما هو حسن ومنه ما لا يقع عليه وصف الذم ولا الحسن إذ لا تكليف فيه .
أما الظن المذموم فكما في قوله :
· } إنه ظن أن لن يحور { الانشقاق 14
· } وما أظن الساعة قائمة { الكهف 36 فصلت 50
· } وما يتبع أكثرهم إلا ظنا { يونس 36
· } وما لهم به من علم إن هم إلا يظنون { الجاثية 24
· } وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين { الجاثية 32
ويعني أن الظن المذموم هو ما كان في مقابلة العلم واليقين أي هو الشك في موعودات الكتاب وغيبه وفي ما أنزل الله .
وأما الظن الحسن فكما في قوله :
· } وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه { التوبة 118
· } واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون { البقرة 46
· } قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين { البقرة 249
ويعني اليقين بوعد الله ، فالمخلفون الثلاثة صدقوا ولم يرتدوا عن الإسلام بل أسلموا للعقاب أن لا يكلمهم المسلمون وأن يعتزلهم الأزواج وأن لا يقطع بإيمانهم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وأنكرهم المؤمنون لكن أيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه فتاب عليهم بصدقهم .
ويعني أول البقرة أن الخاشعين هم الذين يظنون في كل وقت أنهم ملاقوا ربهم أي ميتون ، قصر أملهم فاستعدوا للموت في كل ساعة فكانت صلاتهم أبدا صلاة مودع فخشعوا فيها ولم يعبثوا أو يغفلوا ، ويقينهم بالموت سمي ظنا من جهة مبلغ العلم ولو تأخر عنهم الموت أكثر من ظنهم .
ويعني ثاني البقرة أن الذين أيقنوا أنهم ملاقوا الله للحساب في يوم القيامة هم الذين صدقوا مع طالوت ولم يتولوا عنه يوم الزحف ـ خوفا من الحساب والعقاب يوم يلاقون الله ـ وهم قلة رغم كثرة عدوهم جالوت وجنوده واستعانوا بالله فنصرهم .
وإن قوله :
· } كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق وظن أنه الفراق والتفّت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق { القيامة 26 ـ 29
· } حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم { يونس 22
ليعني اليقين بالموت في تلك الحال وليس هو بمذموم ولا حسن وإنما سمي بالظن لتعلق الإنسان بأسباب النجاة وحرصه على الحياة في كل وقت والله أعلم .

الإيمان

إن من تفصيل الكتاب المنزل أن الإيمان المعدى باللام يعني التصديق من المعاصر كما في قوله :
· } فآمن له لوط { العنكبوت 26
· } فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم { يونس 83
· } قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون { الشعراء 111
· } وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين { يوسف 17
ولا يخفى أن لوطا قد عاصر إبراهيم وأن ذرية من بني إسرائيل قد عاصروا موسى وأن قوم نوح قد عاصروا نوحا وأن بني يعقوب إخوة يوسف قد عاصروا أباهم .
ويعني قوله } قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين { التوبة 61 أن النبي r يؤمن بالله لدلالته على الغيب إذ لم يره في الدنيا ويصدّق النبي r المؤمنين فلا يكذبهم فيما يزعمون إذ كان r على خلق عظيم .
وإن من تفصيل الكتاب المنزل أن الذين آمنوا حيث وقعت في الكتاب فإنما هم صحابة النبي أو الرسول الذين آمنوا به إيمانا مستأنفا .
أما صحابة نوح فهم الموصوفون في قوله :
· } وما أنا بطارد الذين آمنوا { هود 29
· } وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن { هود 36
· } وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل { هود 40
وأما صحابة هود فهم الموصوفون في قوله } ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ { هود 58 .
وأما صحابة صالح فهم الموصوفون في قوله :
· } قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم { الأعراف 75
· } فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ { هود 66
· } وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون { النمل 53
· } ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون { فصلت 18
وأما صحابة شعيب فهم الموصوفون في قوله :
· } ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به { الأعراف 86
· } قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا { الأعراف 88
· } ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا { هود 94
وآمن لوط بإبراهيم كما في قوله } فآمن له لوط { العنكبوت 26 .
وأما صحابة موسى فهم الموصوفون في قوله :
· } قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم { غافر 25
· } فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه { يونس 83
· } وقال الذي آمن { غافر 30 ، 38
وأما صحابة خاتم النبيين r فهم الموصوفون في قوله :
· } لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم { التوبة 88
· } ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى { التوبة 113
· } إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهـذا النبي والذين آمنوا { عمران 68
أما المؤمنون فهم أعم من صحابة الرسول أو النبي إذ يقع لفظ المؤمنين على الرسول والذين آمنوا معه كما في قوله } ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين { الروم 47 ، ويقع على الصحابة كالذين آمنوا كما في قوله } إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون { الحجرات 15 ولتسميتهم بالمؤمنين رد على الذين يزعمون أنهم مؤمنون ويتخلفون عن الرسول يرغبون بأنفسهم عن نفسه ، ويقع على المؤمنين من الأمة الذين لم يدركوا النبي r ابتداء من التابعين للصحابة فمن يأتي بعدهم ...
وأما الإيمان المعدى بالباء فيقع على الغيب المنتظر الذي سيكون شهادة فيما بعد ، وهكذا مدلول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله .
أما الإيمان بالله فلأنه لن يرى في الدنيا كما هي دلالة قوله } الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به { غافر 7 ويعني أنهم وهم المقربون من الملائكة يؤمنون بالله ولم يروه بعد وهم يعلمون أنهم سيرونه في يوم الحساب وعدا من الله كما هو مدلول تسبيحهم بحمد ربهم وكما فصلت في بيان اقتران التسبيح مع الحمد .
وأما الإيمان بالملائكة واليوم الآخر فظاهر كذلك أنهما من الغيب في الدنيا وسيشهد العالمون جميعا بعد البعث للحساب كلا من الملائكة واليوم الآخر .
وأما الإيمان بالقدر كله فلإيمان المؤمن أن ما أصابه من القدر لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه منه لم يكن ليصيبه ، فالقدر مسطور في اللوح المحفوظ غيب يؤمن به المؤمن قبل أن يقدّر عليه كما في قوله } قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم { الأحقاف 9 أي لم يطلع على القدر المغيب عنه قبل وقوعه .
وأما الإيمان بالكتب المنزلة من عند الله فهو من الغيب لتضمنها غيبا في الدنيا لم يقع بعد نفاذه كما سيأتي ، ولتضمنها غيبا في الآخرة كما هو معلوم .
وأما الإيمان برسل الله فلأن الدين الذي جاءوا به وهو الكتاب والبيّنات لم ينقض ما فيهما من العلم والوعد والتكليف ولا يزال الخطاب به قائما وكما سيأتي تفصيله في بيان القرآن .

العلم

إن من تفصيل الكتاب المنزل أن العلم يقع على الوحي كما في قوله }يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك {مريم 43 من قول إبراهيم ، وكان يعقوب ذا علم كما في قوله }وإنه لذو علم لما علمناه {يوسف 68 أي صاحبه بالوحي إليه وكان الرسل والنبيون هم أولوا العلم أي أصحابه كما في قوله }شهد الله أنه لا إلـه إلا هو والملائكة وأولوا العلم {عمران 18 ، ولقد علم الملائكة وهم في الملإ الأعلى والرسل والنبيون بالوحي ما جعل شهادة كل منهم أنه لا إلـه إلا الله أكبر من شهادتنا نحن عامة الناس ، وكان إسحاق غلاما عليما كما في قوله }قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم {الحجر 53 ومن المثاني معه قوله }قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم {الذاريات 28 إذ هو نبي ، وكذلك قوله }إنما يخشى الله من عباده العلماء {فاطر 28 يعني النبيين والرسل كما سيأتي تحقيقه في بيان القرآن .
وكان صحابة كل نبي أو رسول الذين تعلموا منه هم الذين أوتوا العلم بالتجهيل كما في قوله }ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا {القتال 16 يعني أن المنافقين لم يفقهوا القرآن إذ لم يتجاوز آذانهم بل سألوا عن معانيه ودلالاته الذين أوتوا العلم وهم أصحاب النبي rالذين جعل القرآن في صدورهم كما في قوله }بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم {العنكبوت 49 أي أنهم سمعوا القرآن وتجاوز آذانهم واستقر في صدورهم لكن دون مرتبة النبي الأمي rالذي نزل على قلبه أي علم ما فيه من العلم .
ويقع العلم على البينات لما في الكتاب المنزل من عند الله كما في قوله }وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم {عمران 19 أي أن اليهود لم تختلف إلا من بعد ما جاءهم الرسل ببينات التوراة وهـكذا اختلفوا أكثر لما جاءهم عيسى بالبينات .
ويقع العلم على المشاهدة بالعين كما في قوله :
· } فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق {القصص 13
· } أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هـذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير {البقرة 259
ولقد أوحي إلى أم موسى بقوله }إنا رادوه إليك {القصص 7 وهو وعد من الله ، وكانت تؤمن بأنه وعد حق ، ولكن علمت برأي العين لما ردّ إليها وقرّت عينها به أن وعد الله حق ، وكان الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها يؤمن بأن الله سيحييهم بعد موتهم يوم البعث ، وعلمه لما رآى مثله في الدنيا .
وإن من تفصيل الكتاب المنزل أن ما علّمك الله فهو بالكسب والتجربة كما في قوله } والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة { النحل 78 ويعني أن السمع والبصر والذاكرة في الدماغ هي أدوات التعلم بالكسب ، ومنه قوله } وما علّمتم من الجوارح مكلّبين تعلّموهن مما علّمكم الله { المائدة 4 يعني الجوارح من الطير والكلاب يعلّمها الناس الصيد بالترويض والكسب والتجربة ومن زعم أن تعلمها للصيد هو من الوحي الخارق المعجز فهو أحمق ، وإنما الصيادون يعلّمونها مما تعلّموا هم أنفسهم بالكسب والتجربة أي مما علّمهم الله ، ومنه قوله } ولا يأب كاتب أن يكتب كما علّمه الله { البقرة 282 أي كما علم شهادته بالمشاهدة والسماع ، ومنه قوله } واتقوا الله ويعلّمكم الله { البقرة 282 وليست التقوى شرطا لزيادة العلم وحصوله من غير تعلم وكسب ولو كان كذلك لما كان من فرق بينه وبين قولنا "واتقوا الله يعلمكم الله" بجزم الفعل أي بإسكان الميم في يعلمكم على جواب فعل الأمر اتقوا وعلى نسق المتفق عليه في قوله :
· } فاتبعوني يحببكم الله { عمران 31
· } ذروني أقتل موسى { غافر 26
· } فقل تعالوا ندع { عمران 61
· } قل تعالوا أتل { الأنعام 151
· } اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم { يوسف 9
وقد تم جزم الأفعال الواقعة في جواب فعل الأمر الواقع في موضع الشرط .
إن قوله } واتقوا الله ويعلمكم الله { لمتفق على قراءته برفع الفعل } ويعلمكم { والمعنى اتقوا الله والله يعلمكم ما تتقونه به من الأحكام والتشريع أي أن الله لم يكلف العباد بتقواه كما يتصوره كل واحد منهم ويتخذه دينا لنفسه وإنما الله يبيّن لهم ما يتقونه به وهو مما يعلمهم إذ نزل من عنده في الكتاب وكما في قوله } وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبيّن لهم ما يتقون { التوبة 115 وقوله } واتقوا الله ويعلّمكم الله { في آخر آية الدين ، وقد علّم الله المسلمين فيها وفي ما قبلها من الأحكام والتكاليف الفردية والجماعية وفي سائر الكتاب ما يتقون ـ بامتثال مأموراته واجتناب منهياته ـ عذابه وعقابه .
ولا يخفى أن قوله } ولا يأب كاتب أن يكتب كما علّمه الله { في أول آية الدّين لمن المثاني مع قوله } ويعلمكم الله { في آخر آية الدين إذ ما كلّف به الكاتب من الأمانة والنقل وأن يأتي بالشهادة على وجهها هو مما علّمه الله في الكتاب كذلك أما الأول ففي قوله } ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا { الإسراء 36 وأما الثاني ففي قوله } ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها { المائدة 108 وقوله } كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله { النساء 135 وقوله } كونوا قوامين لله شهداء بالقسط { المائدة 8 .
وإن من تفصيل الكتاب المنزل أن ما علّم ربنا ملائكته ورسله وأنبياءه هو ما خصوا به من العلم فعلموه تعلما خارقا معجزا من غير كسب منهم وتلك دلالة المثاني :
· } قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا { البقرة 32
· } وعلّم آدم الأسماء كلها { البقرة 31
· } وإنه لذو علم لما علّمناه { يوسف 68
· } ذلكما مما علّمني ربي { يوسف 37
· } فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلّمناه من لدنا علما { الكهف 65
· } وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علّمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء { النمل 16
وتعني أن ربنا علّم الملائكة من غير كسب منهم ولا جهد وكذلك علّم آدم ويعقوب ويوسف والخضر وداوود وسليمان وسائر الرسل والنبيين .
وأما قوله }وأعلم من الله ما لا تعلمون {الأعراف 62 من قول نوح ، وفي يوسف 86 من قول يعقوب فيعني أن كلا منهما علم من الله بالوحي إليه ما لم يعلمه غيره ، فيعقوب قد علم بالوحي أن أولاده كاذبون بزعمهم أن الذئب قد أكل يوسف وعلم بالوحي أنه سيجتمع بيوسف وأن الله سيتم نعمته عليه وعلى أولاده رغم ما سلف منهم مع أخيهم يوسف .
وإن قوله :
· } ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض { البقرة 107 المائدة 40
· } ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض { الحج 70
ليعني أن النبي r قد نزل عليه من قبل في الكتاب مثله فعلمه بالكتاب المنزل عليه .
وإن قوله } ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم { التوبة 63 ليعني أن قد نزل مثله من قبل في الكتاب كما في قوله } إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين { المجادلة 5 وهكذا فحرف المجادلة قد نزل قبل حرف التوبة .
وإن قوله } ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم { التوبة 104 ليعني أن قد نزل في الكتاب من قبل مثل جميع ذلك كما في قوله } وهو الذي يقبل التوبة عن عباده { الشورى 25 وكما في قوله } خذ من أموالهم صدقة { التوبة 103 ولقد نزل في أكثر من حرف قبل سورة التوبة أن الله هو التواب الرحيم .
وإن قوله } ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب { التوبة 78 ليعني أن الكتاب من قبل قد تضمن مثل ذلك كما في قوله } ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم { المجادلة 7 .
وإن قوله } أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون { الزمر 52 ليعني أن الناس قد علموا من قبل ذلك رأي العين كما في قوله } أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون { الروم 37 ويعني حرف الزمر كذلك أن مثل ذلك قد نزل من قبل في الكتاب كما في قوله } قل إن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون { سبأ 36 ويعني أن حرف الزمر تأخر نزوله عن الحرفين .
وسيأتي مزيد من التفصيل والبيان .

الهداية

إن قوله :
· }سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى { بداية الأعلى
· }قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى { طـه 50
ليعني أن رب العالمين قد هدى كل مخلوق إلى ما جبله عليه مما يصلح لبقائه وحفظ نوعه ، فذلك التوفيق الذي فتح به المولود فاه ساعة يولد ليمص الثدي ، وذلك التوفيق الذي جعل كل مخلوق على الأرض يسلك سلوكا خاصا لبقائه هو الهداية التي هداه بها رب العالمين ، ولو لم يفتح المولود ساعة يولد فاه ولم يستطع مص ثدي أمه أو المرضع لما كان من المهتدين إلى أسباب بقائه .
وإن رب العالمين هو الذي هدى أنثى الطير إلى فقص بيضها في أجل معلوم لا تضل عنه ولا تخطئه .
وإن قوله :
· }إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا { الإنسان 2 ـ 3
· }ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين { البلد 8 ـ 10
· }ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها { الشمس 7 ـ 8
ليعني أن رب العالمين بما أنعم على الإنسان بما متع به من سمع وبصر وكلام وتخيير بين السبيلين أي النجدين والطريقين سبيل الشكر والإيمان وسبيل الكفر والشرك فهو ممتحن مبتلى ، وهدايته هـذه هي إلهامه الخير والشر أي ما جبل عليه وخلق فيه من القدرة على تسخير عينيه ولسانه وشفتيه وسائر قواه إلى كل من الخير والشر إذا شاء .
وكذلك قوله :
· }وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون { النحل 15
· }وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا وسبلا لعلهم يهتدون { الأنبياء 31
· }الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لهلكم تهتدون { الزخرف 10
· }إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا { النساء 98
ويعني حرف النحل والأنبياء والزخرف أن من نعمة ربنا علينا أن جعل في الأرض جبالا وأنهارا وفجاجا وسبلا هن علامات يهتدي بها الناس في قوافلهم وضربهم في الأرض .
ويعني حرف النساء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة تخلصهم من الاستضعاف ولا يعرفون الطريق التي توصلهم إلى حيث يبتغون إذ لا يهتدون إليها .
وإن قوله :
· }وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر {