على غير عادتها وبعد محاولات عديدة من قبلي لإقناعها برغبتي، وافقت أمي أن تصحبني إلى السوق على مضض، فطلبت من أخي أن يجهز العربة، وأصدرت أوامرها لإخواني بأن يلتزموا الهدوء والأدب ريثما نعود، ولم تنس قبل خروجها أن تذكرني بالتعليمات والنصائح التي تجعل مني فتاة عاقلة ومحتشمة أمام الناس، ثم قالت تسألني وهي ترتدي عباءتها:- ما الذي تودين شراءه بالتحديد يا سوسن؟قلت أهز كتفاي بحيرة وأنا ألف الحجاب حول رأسي:- لا شيء محدد يا أمي.. غير أنني فكرت بشراء الإكسسوارات وثوب جديد لزيارة صديقتي نجاة..- دائماً كنت أنظر إلى أمي على أنها طراز فريد من الأمهات، فهي دائمة الخوف عليّ.. تسعى في كل مناسبة لأن تصنع مني فتاة مثالية.. وربة بيت ممتازة، وإذا ما حاولت يوماً مخالفتها بتصرف خاطئ.. وجدتها تتحول إلى صديقة صارمة تجاهد لأن تغرس الندم في نفسي وحمرة الخجل في أحداقي.. وهذا ما حدث معي حين خرجت ووصلت بمعيتها إلى السوق حيث كان أخي يتجول حولنا ويبحث في المتاجر عن أشياء تخصه دون أن تغفل عيناه عن النظر إلينا لحمايتنا، بينما علامات التذمر أخذت تكسو ملامح أمي لعدم عثوري على التصميم الذي أبتغيته من الملابس، وخصوصاً وأن التجول بين محلات السوق لمدة ساعة من الزمن قد أجهدها وأصابها بالإعياء، حتى أصبحت تحاول إقناعي كلما وجدت ثوباً أنيقاً ومناسباً لي وهي تقول:- - انظري إلى هذا.. إنه غاية في الأناقة والجمال.- غير أنني في كل مرة تفعل ذلك كنت أشيح برأسي غير موافقة، لأنني كنت أبحث عن ثوب يشبه أزياء جارتنا التي سكنت حديثا بجوارنا والتي كانت تبدو لي بمظهرها المثير أقرب ما تكون من نجمات الفن الشهيرات، كما أنني أردت أن الفت الأنظار إليَّ بمظهري المتحضر في حفلة صديقتي نجاة، إلا أنني لم أعثر على ضالتي المنشودة إلا بعد جهد جهيد حيث وجدت أخيراً ثوباً قريباً من الذي أريده، بنطال قصير بألوان الباستيل الفاتحة، وبلوزة شبه عارية يزينها مجموعة من الإكسسوارات الذهبية.. تماماً كتصاميم جارتنا الشقراء ذات الشعر القصير.. صرخت أمي بذهول:- - لا أصدق ما أرى.. هل هذا ما أعجب يا سوسن؟ .. إن ما رأيناه من قبل يفوق هذا التصميم جمالاً..قلت بإصرار..بل بعناد شديد:- هذا رأيك يا أمي.. أما رأيي أنا فإن هذا التصميم قد أعجبني كثيراً..- رفضت أمي وبصلابة شديدة أن تشتري الثوب لي، وأخذت تشبهه بملابس المهرجين والصعاليك.. وتصف عيوبه وخطوطه العجيبة بشيء من النفور وعدم الاقتناع، ولكن ذلك لم يحدّ من إلحاحي وتحايلي عليها بينما كنا نقف في المحل الذي اتجهت الأنظار فيه إلينا للجدال الصاخب. بينما مما أحرج أمي وجعلها توافق على مضض لشرائه، ومن ناحية أخرى كان أخي على مقربة منا فخشيت أمي تدخله في المسألة مما قد يزيد الأمور سوءً، ومع ذلك لم يمنعها قبولها من إطلاق عبارات ساخنة على مسامعي.. حيث قالت بغضب:- - لا أدري ما الذي أصابكن يا فتيات هذا الزمن..حتى تمسخن جمالكن بأزياء تشبه أزياء المجانين..وأردفت تتوعدني وهي تستقل العربة إلى جانب أخي:- لست راضية أبداً عن هذا الثوب.. لست راضية أبداً.. ويجب أن أضع حداً لذلك..- وفي المنزل قامت الدنيا ولم تقعد، حيث لم تكتف أمي بتوبيخي على ذوقي الغريب، بل ونقلت مشاعر السخط إلى أبي حيث جندته على الوقوف بصفها، إذا وجدته يقتحم عليَّ حجرتي بعد دقائق قائلاً:- ما هذا الذي فعلته يا سوسن.. منذ متى وأنت تقتنين ملابس مثل هذه!!؟.وتابع ينذرني ساخطاً.- لن ترتدي هذا الثوب أبداً.. وإلا حرمتك من زيارة صديقتك..أنتابتني حالة من الحزن الشديد لهذا الرفض، واستسلمت لبكاء مرير، ولا أخفيكم سراً أنني شعرت بالمقت لما حدث، بل إنني اتهمت والديَّ في سريرتي بأنهما شخصان بدائيان لا ينتميان على هذا العالم المتحضر، ومع أزدياد لوعتي وغضبي زادت حدة بكائي حتى فوجئت بدخول أبي وأمي إلى حجرتي بعد مدة بينما ابتسامة حانية ترتسم على وجهيهما.. قال أبي مداعباً: - هل ما زالت إبنتي العزيزة غاضبة؟قلت منفجرة بالبكاء:- لا أدري يا أبي سبب رفضكما لاختياري.قالت أمي بلطف:- السبب بسيط جداً يا حبيبتي، فنحن لا نريد أن تلوككي الألسنة.. وتصبحي مصدراً لسخرية الناس..تساءلت بسذاجة: كيف يا أمي؟؟أجابني أبي بحنانه المعتاد:- أسمعي يا عزيزتي، عليك أن تدركي أن هنالك ثمة فروقات شاسعة بين ما نمارسه من سلوكيات تخصنا، وبين ما يفرض علينا من عادات وأفكار تخص غيرنا من الناس الذين يقتبسونها عادة مما تعرضه قنوات الإعلام من آخر الصيحات للأغاني والمسلسلات والأفلام التي لا تمثلنا في حال من الأحوال وإنما هي من صنع خيال المؤلفين والمخرجين المنبهرين بحضارة الغرب، ثم لا تنسي أننا نعيش في مجتمع له خصوصيته وتقاليده التي يجب أن نحافظ عليها كي نحافظ على هويتنا العربية والمسلمة..قلت معترضة-ولكن الكثير من صديقاتي يفعلن ذلك.. فأين الغرابة في أن نقتبس من الآخرين جمال المظهر والسلوك..؟قال أبي: لا ضير من ذلك.. شرط أن لا يتعارض مع قيمنا وأصالتنا..!وعلقت أمي قائلة:- كما أن التقليد الأعمى يا عزيزتي لكل صغيرة وكبيرة للغير يدل على نقص وشخصية ضعيفة تحب أن تكون منقادة لسواها.. فهل تريدين أن تكوني كذلك؟قلت بإصرارك لا.. فأنا أحب أن تكون لي شخصيتي المستقلة، فسألتني بدهشة: ولكنك باقتنائك لهذا الثوب الغريب يا سوسن، تتناقضين مع مبدؤك الذي ذكرته يا ابنتي..أطرقتُ مفكرة هنيهة..فجأة تذكرت مشهد جارتنا الشقراء.. ووجدت فيه غرابة وبشاعة، فقلت مستيقظة من غفلتي:- معك حق يا أمي.. وأنا.. لن أسمح لشيء بأن يجعلني أظهر كفتاة مهتزة غريبة..ضحك أبي بسعادة قائلاً:- أحسنت.. هذه هي ابنتي.. التي ربيتها.. وأحسنت تربيتها..وفي تلك الليلة فكرت بحديث والدي جيداً، وأدركت بعد جدال طويل مع نفسي بأنني كنت مخطئة وأنهما كانا على صواب، وفي اليوم التالي استبدلت الثوب بثوب آخر اختارته أمي لي، وكانت المفاجأة في زيارة صديقتي نجاة، أن جميع الحاضرات أثنين على ذوقي وعلى أناقتي الجذابة، مما أشعرني بالغبطة والسعادة الغامرة..
أسأل الله أن يهدي فتياتنا وأن يدلهم إلى الصواب..
ولا أنس بالأخير أن أقول..
إن الموضوع منقول..