![]() | ![]() |
![]() | ![]() |
| |||||||
![]() | ![]() |
| منتدى الفكر والعلـوم الإسلامية واحة القرآن والسنة وعلومهما وما يتعلق بعلوم الشريعة بالأدلة الصحيحة |
![]() |
| | أدوات الموضوع | طرق مشاهدة الموضوع |
| | رقم المشاركة : 1 | |||||||||||
| مدلول الكتاب والقرآن إن الكتاب والقرآن في كلامنا لفظان مترادفان لدلالة كل منهما على ما بين دفتي المصحف ، وهو الكتاب أي المكتوب ، وهو القرآن أي المقروء ، ولإثبات قصور هـذا الإطلاق في كلامنا فإن من تفصيل الكتاب أن قد وردت للفظ الكتاب في المصحف عشرة معان بل أكثر سأذكر منها في هـذا المقام تسعا : أولاها : بمعنى المكتوب كما في قوله : · } ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله { البقرة 235 · } والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم { النور 33 · } وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب { عمران 78 · } اذهب بكتابي هـذا { النمل 28 ولا يقع شيء منها على الكتاب المنزل من عند الله على الرسل والنبيين ، لكن على المتربصة بنفسها أربعة أشهر وعشرا إن لم تكن من أولات الأحمال أن تكتب يوم ابتدأت العدة ليبلغ الكتاب أجله المعلوم وهو انقضاء العدة ، ولكأن العدة دين عليها ووجبت كتابة الدين كما في قوله } ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله { البقرة 282 ، وللمكاتب أن يجعل لنفسه أجلا معلوما يفتدي به من الرق وليكتب ذلك الأجل يوم ابتدئ العقد ، والذين يلوون ألسنتهم بما كتبوه من عند أنفسهم إنما هو من عند أنفسهم لا من عند الله كما في قوله } لتحسبون من الكتاب وما هو من الكتاب { عمران 78 أي ليس هو من الكتاب المنزل من عند الله ، والكتاب الذي حمله الهدهد إلى ملكة سبإ هو رسالة سليمان المعلومة . وثانيها : بمعنى الفريضة على المكلفين كما في قوله } إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا { النساء 103 أي فريضة فرضت عليهم في أوقات معلومة ، وقوله } والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم { النساء 24 يعني أن تحريم المذكورات فريضة من الله عليكم ، وكذلك دلالة قوله } كتب عليكم الصيام { البقرة 183 وقوله } كتب عليكم القصاص { البقرة 178 وشبهه أي فرض عليكم . وثالثها : اللوح المحفوظ كما في قوله : · } ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير { الحديد 22 · } قال فما بال القرون الأولى قال علما عند ربي في كتاب { طـه 51 ـ 52 · } فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب { الأعراف 37 ورابعها : الصحف التي سيؤتاها يوم يقوم الحساب صاحب اليمين بيمينه وصاحب الشمال بشماله وأشقى منه وراء ظهره كما في قوله : · } فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا { الانشقاق 7ـ8 · } وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه { الحاقة 25 · } وأما من أوتي كتابه وراء ظهره { الانشقاق 10 ويعني الأعمال الفردية التي لم يشترك معه غيره فيها . وخامسها : بمعنى الظرف المكاني الذي تنتقل إليه الأرواح والصور الرقمية المستنسخة من الأعمال بعد الموت ، أما أرواح الأبرار بعد موتهم فيصعد بها إلى عليين بعد أن تفتح لهم أبواب السماء فيجدون أمامهم أعمالهم الصالحة مستنسخة تعرض عليهم كأنما هي كتاب مرقوم أي لا يفرقون بينها وبين ما عملوه في الدنيا أي هي صور مستنسخة من الأصل رقمية كما في قوله } كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون { التطفيف 18 ـ21 ، وكذلك يشهد أي يحضر المقربون في عليين أرواح الأبرار بعد موتهم حين صعودها إلى عليين ويسألونهم عمن تركوا خلفهم من الأهل والأصحاب كما في الأحاديث النبوية التي بيّن بها النبي الأمي r حرف التطفيف . وأما أرواح الفجار بعد موتهم فيهبط بها إلى أسفل في سجين في أعماق الأرض فيجدون أمامهم أعمالهم السيئة مستنسخة تعرض عليهم كأنما هي كتاب مرقوم أي هي صور رقمية مستنسخة من الأعمال في الدنيا كما في قوله } كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم { التطفيف 7 ـ9 وسادسها : كتاب كل أمة يوم القيامة كما في قوله : · } وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هـذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا منا نستنسخ ما كنتم تعملون { الجاثية 28 ـ 29 · } ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون { الزمر 69 · } ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهـذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا { الكهف 49 ويعني الأعمال الجماعية التي اشترك فيها اثنان فأكثر كتسعة رهط الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون يوم تحالفوا وتقاسموا أن يغتالوا صالحا رسول الله . وتعني دلالة لفظ الكتاب الخامسة والسادسة وقوعها على ما ينظر إليه ويعرف ولو كان صورا معروضة وكما وصفته آنفا أنه الظرف المكاني الذي تنتقل إليه الأرواح وصور الأعمال بعد الموت ، وإنما احترزت في هذا الوصف من دلالة لفظ الكتاب على الحروف المكتوبة المقروءة وظرفها المكاني الذي يجمعها ويشملها وهي الصحف . وسابعها : الكتاب الذي أوتيه جميع النبيين والرسل قبل التوراة كما في قوله : · } كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه { البقرة 213 · } وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة { عمران 82 · } لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان { الحديد 25 · } ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم { البقرة 129 · } ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا { الفرقان 35 ولا يخفى أن كثيرا من النبيين والرسل كانوا قبل التوراة التي أوتيها موسى ومنهم إبراهيم وإسماعيل ، ولا يخفى أن حرف الفرقان يعني أن كتابا قد أوتيه موسى قبل رسالته إلى فرعون فهو كالذي أوتيه كل نبي ورسول قبل النبي الأمي r ، ولا يعني حرف الفرقان التوراة التي أوتيها موسى بعد إغراق فرعون وجنوده ، ولا يخفى أن عيسى قد علمه ربه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل مما يعني المغايرة وأن لكل من الأربعة مدلول خاص به وإلا لزم القول بأن للتوراة والإنجيل مدلول واحد وهو ظاهر الفساد . وثامنها وقوع لفظ الكتاب على التوراة أو الإنجيل أو هما معا كما في قوله : · } وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب { الإسراء 4 · } فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك { يونس 94 · } أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين { الأنعام 156 · } وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل { المائدة 110 · } ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل { عمران 48 وكذلك حيث اقترن لفظ الكتاب بموسى سوى حرف الفرقان وحيث وصف أهل الكتاب والذين أوتوا الكتاب . ولا تخفى المغايرة بين الألفاظ الأربعة "الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل" وإلا للزم القول بأن التوراة هي نفس الإنجيل وهو ظاهر السقوط . ولن يصح إبدال لفظ الكتاب في الأحرف المذكورة وشبهها بلفظ القرآن لأن للقرآن دلالة أخرى لا يصح إيرادها في غيرها كما يأتي تحقيقه . وتاسعها الكتاب المنزل على خاتم النبيين r كما في قوله : · } نزل عليك الكتاب بالحق { عمران 2 · } إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله { النساء 105 · } وهـذا كتاب أنزلناه مبارك { الأنعام 92 ـ 155 · } لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون { الأنبياء 15 · } إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق { الزمر 41 إن الكتاب الذي أوتيه النبيون والرسل قبل التوراة لا اختلاف بينه وبين الكتاب الذي تضمنه كل من التوراة والإنجيل والقرآن ، لأن التوراة قد حوت الكتاب وزادت عليه نبوة موسى ، وحوى الإنجيل الكتاب وزاد عليه نبوة عيسى ، وحوى القرآن الكتاب وزاد عليه نبوة خاتم النبيين r ونبوة النبيين قبله كما في قوله } وأنزلنا إليك الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه { المائدة 48 . وإنما علم الرسل والنبيون قبل التوراة الكتاب غيبا فكانوا يعلّمون أممهم منه بقدر استعدادهم للتلقي ثم أنزل الله الكتاب مع موسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم وتعبد الناس بدراسته ودرايته كما يأتي بيانه في تفصيل الكتاب وبيان القرآن . إن الكتاب هو ما تضمن المصحف من الإيمان بالله رب العالمين ، وما تضمن عن العالمين كخلق السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما ، وتدبير أمر الخلق كله ، وما حوى من النعم في الدنيا ومن وصف مخلوقاته وكذا المؤمنون والكفار والمشركون والمنافقون ، وما حوى من التشريع أي الخطاب الفردي والجماعي ، ومن التكليف لسائر العالمين ، وما تضمن عن الحياة والموت والقدر كله والبعث والحساب والجزاء بالجنة أو النار . وأما القرآن فهو ما حوى المصحف من القصص والذكر والقول والنبوة والأمثال ومن الحوادث التي وعد الله أن تقع بعد خاتم النبيين r قبل النفخ في الصور . وهكذا كان من تفصيل الكتاب أن قوله : · } إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس { النساء 105 · } إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين { الزمر 2 · } ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء { النساء 127 · } وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم { البقرة 231 قد تضمن لفظ الكتاب لاشتماله على الحكم بين الناس وعلى الأمر بالعبادة وعلى الأحكام الشرعية التي شرع الله للناس ، ولو أبدل لفظ الكتاب بلفظ القرآن في الآيات المتلوة المذكورة لانخرم المعنى كما سيأتي . إن عاقلا أو مغفلا لن يقول إنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم سيعدمه ويعيد خلقه كما خلقه أول مرة ، وكان حريا بالناس أن يفهموا الكتاب لوضوحه وهل في الله فاطر السماوات والأرض شك ؟ ومتى احتاج الأمر بالصلاة والزكاة وسائر التكاليف إلى تدبر ، وإنما هي تكاليف من رب العالمين فمن شاء زكى نفسه بها ومن شاء دساها بالإعراض عنها . وكان من تفصيل الكتاب أن قوله : · } وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم إذ قال موسى لأهله امكثوا إني آنست نارا { النمل 6 ـ 7 · } نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هـذا القرآن { يوسف 3 · } وأوحي إلي هـذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ { الأنعام 19 · } ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر { القمر 17 ـ 22 ـ 321 ـ 40 · } فذكر بالقرآن من يخاف وعيد { خاتمة سورة ق · } ولقد ضربنا للناس في هـذا القرآن من كل مثل { الروم 58 الزمر 27 · } هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ { خاتمة البروج وشبهه قد تضمن لفظ القرآن لاشتماله على القصص والوعد في الدنيا والذكر والأمثال ولو أبدل لفظ القرآن فيه بلفظ الكتاب لانخرم المعنى . ولقد أدرك كفار قريش هـذا التفصيل وقالوا كما في قوله } وقال الذين كفروا لن نؤمن بهـذا القرآن ولا بالذي بين يديه { سبأ 31 أي لن يؤمنوا بالقرآن ذي الموعودات في الدنيا ولا بالكتاب ذي التكاليف التي على رأسها ترك الأوثان وعبادة الله وحده ، وذي الموعودات بالآخرة . النسخ إن كلا من الكتاب والقرآن كلام الله وليس من قول البشر كما هي دلالة قوله } ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين { الشعراء 198 ـ 199 ويعني أن لو كان الرسول بالقرآن أعجميا لا يتكلم اللسان العربي لقرأ القرآن على الناس كما نزل على قلبه أي كما أقرئ تماما كما أضحى معلوما لكل الناس سماع الكلام من الأشرطة والأسطوانات التي لا تملك له تحريفا ولا تغييرا ، وهكذا أقرئ النبي الأمي القرآن كما في قوله } سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله { الأعلى 6 ـ 7 وليس الاستثناء من الله حشوا ولا زيادة لا تعني شيئا سبحان الله وتعالى وإنما هو وعد سيتم نفاذه أي سينسى منه النبي الأمي r ما شاء الله وهو ما لم تتضمنه العرضتان الأخيرتان . ولم يقع في القرآن نسخ سبحان الله وتعالى أن يخلف الميعاد وإنما القرآن ذكر وقصص وموعودات نبئ بها النبي الأمي r ستقع قبل النفخ في الصور . ولم يقع نسخ في موعودات الكتاب التي ستقع في الآخرة ولا في أسماء الله ومشيئته وتدبيره الأمر في السماوات والأرض . إن قوله : · } ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها { البقرة 106 · } وإذا بدلنا آية مكان آية { النحل 101 ليعني وقوع النسخ في التشريع خاصة من الكتاب المنزل ، وقد وعد الله أن يأتي بآية خير من الآية المنسوخة أي ينزلها ، وكان في كل آية مبدلة إصر أو تحريم وفي الآية البدل تخفيف وتيسير أو تحليل ، ألم تر أن قوله } وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون { الأنعام 146 يعني أن نبيا بعد موسى نزل عليه ذلك التحريم ، وأن قوله } ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم { عمران 50 يعني أن عيسى قد نزل عليه تحليل بعض ما حرم على بني إسرائيل كالذي تضمنه حرف الأنعام ، فالأول المنسوخ فيه إصر وتحريم والثاني البدل فيه تخفيف وتحليل ، وكذلك تضمن التشريع المنزل على النبي الأمي r مثل ذلك كما في نسخ شرب الخمر بقوله } يـأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون { المائدة 90 ـ 91 وذلك بعد الكراهة كما في قوله } ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون { النحل 67 ويعني أن من يعقل سيدرك أن الموصوف بالسكر ليس رزقا حسنا وإنما هو رزق قبيح وكذلك بعد قوله } يـأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون { النساء 43 ويعني أن السكر مذهب للعلم والوعي والإدراك . وكذلك تضمن التشريع المنزل على النبي الأمي r مثل ذلك كما في تكليف الواحد من المؤمنين وهو في ساحة المعركة أن يصبر ولا يولي الدبر ولو قاتله العشرة من الكفار بقوله } يـأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون { الأنفال 65 ولا يخفى ما فيه من المشقة على البعض وقد نسخ بقوله } الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين { الأنفال 66 . وكذلك تضمن التشريع المنزل على النبي الأمي r مثل ذلك كما في نسخ التكليف بفرض الإقامة الجبرية في المنزل على الزانية مدى الحياة كما في قوله } واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا { النساء 15 وقد نسخ بقوله } الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة { النور 2 ولا يخفى أن في الأول المنسوخ إصر ومشقة وفي الثاني البدل تخفيف وتيسير هو على الأمة خير من التكليف الأول الثقيل . بيان قوله } كتابا متشابها مثاني { وإن من تفصيل الكتاب أن قوله } الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني { الزمر 23 ليعني أن كل دلالة أو معنى في الكتاب قد أنزل مرة ومرة حتى تشابه وتكرر كما في قوله } وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة { الزمر 45 ومن المثاني معه قوله } إلـهكم إلـه واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة { النحل 22 ويعني أن قلوب المشركين تشمئز من الإيمان بالله وحده أي تنكره . وكما في قوله } قال لن تراني { الأعراف 143 ومن المثاني معه قوله } لا تدركه الأبصار { الأنعام 103 ويعني أن موسى لم ير ربه وكذلك لم يره أحد ولن يراه في الدنيا إذ لا تدركه الأبصار أما في الآخرة فيراه المكرمون من الناس كما في قوله } وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة { القيامة 22 ـ 23 ومن المثاني معه قوله } كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون { المطففين 15 ويعني المعتدي الأثيم أما غيرهم فغير محجوبين عن ربهم بل يرونه . وكما في قوله } ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم { المجادلة 7 ومن المثاني معه قوله } ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا { النساء 107 ـ 108 وقوله } ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب { التوبة 78 ويعني أن الله على كل شيء ومنه النجوى شهيد لم يغب عنه شيء في الأرض ولا في السماء وأنه علام الغيوب . وكما في قوله } فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب { الأعراف 37 ومن المثاني معه قوله } فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص { هود 109 وقوله } فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون { الأعراف 135 ويعني أن المكذبين لن يعجل لهم العذاب قبل أن يستوفوا نصيبهم من المتاع والرزق والحياة كما كتب لهم في اللوح المحفوظ فلا ينقصون منه شيئا . وكما في قوله } واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه { الأنفال 24 ومن المثاني معه قوله }ونحن أقرب إليه من حبل الوريد { سورة ق 16 ويعني أن القلب هو محل الإرادة ويرسلها عبر حبل الوريد ، والله أقرب إلى الإنسان منهما أي يحول بينه وبين التوبة إذا جاء الموت فهلا بادروا بها قبل الأجل . وكما في قوله } لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش { الأعراف 41 ومن المثاني معه قوله } لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل { الزمر 16 وقوله } يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم { العنكبوت 55 . وكما في قوله } وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير { الشورى 30 ومن المثاني معه قوله } أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هـذا قل هو من عند أنفسكم { ويعني أن المؤمنين قد أصابوا من المعاصي مثلي ما أصابهم من القتل والقرح في غزوة أحد وكما سيأتي بيانه في الأسماء الحسنى . وكما في قوله } الرجال قوامون على النساء { النساء 34 ومن المثاني معه قوله } وألفيا سيدها لدى الباب { يوسف 25 ويعني أن الزوج هو القائم على شؤون امرأته المسؤول عنها أي هو سيدها . وكما في قوله } قال فرعون وما رب العالمين { الشعراء 23 ومن المثاني معه قوله } وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان { الفرقان 60 ويعني أن العبد إذا نسي ربه سيقع منه حتما نسيان نفسه وهكذا يطغى ويتجاوز حده وينكر خالقه . وكما في قوله } يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا { خاتمة النبإ ومن المثاني معه قوله } يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا { النساء 42 ويعني أن الكافر في يوم القيامة حين تعرض عليه أعماله يتمنى أن يكون ترابا أي تسوى به الأرض ولا يحاسب عليها . وكما في قوله } هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية { ومن المثاني معه قوله } وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما { طـه 111 ويعني أن وجوها ستنصب وهو عنتها لله الحي القيوم يوم يقوم الناس لرب العالمين في يوم القيامة فتعاني وجوه من التعب والمشقة والخشوع ما لا ينفعها بل ستخيب بما حملت من الظلم وستصلى بعده نارا حامية . وكما في قوله } هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا { ومن المثاني معه قوله } أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا { مريم 67 وقوله } وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا { مريم 9 . وكما في قوله } ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم { الأعراف 11 ومن المثاني معه قوله } كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحييناكم ثم يميتكم ثم يحييكم { البقرة 28 ويعني أن جميع بني آدم قد خلقوا وصوروا قبل أمر الملائكة بالسجود لآدم وماتوا جميعا فكان كل منهم ميتا إلى أن يحيى في بطن أمه . وكما في قوله } يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون { الأنفال 65 ومن المثاني معه قوله } لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون { الحشر 13 ويعني أن جمع وكثرة الكفار والمنافقين والمشركين أضعفها رهبتهم من الذين آمنوا فكان الرجل من المؤمنين بمثليه أو أكثر في القتال في سبيل الله ، ويعني وصفهم بأنهم قوم لا يفقهون في الحرفين أنهم لا يفقهون أن الله أحق أن يرهب منه وأن يخاف من عذابه وعقابه . وكما في قوله } كذلك كدنا ليوسف { يوسف 76 ومن المثاني معه قوله } لا يستطيعون حيلة { النساء 98 ويعني صحة الحديث النبوي أن الله يلوم على العجز ومنه ترك الحيلة الموصلة إلى الغاية الشرعية . وكما في قوله } أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور إن ربهم بهم يومئذ لخبير { خاتمة العاديات ومن المثاني معه قوله } وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور { غافر 18 ـ 19 وقوله } ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب { التوبة 75 ـ 78 ويعني أن الظالمين في يوم القيامة سيعلمون رأي العين أن الله كان يعلم ما تخفي صدورهم في الدنيا إذ حصل ما فيها من الكبر والغل والحسد وسوء القصد وحوسبوا عليه ، ويعني حرف التوبة أن المنافقين كانوا قد أسروا في قلوبهم أن لا يصدقوا وأن لا يكونوا من الصالحين خلاف ما قالوه بألسنتهم وهو النفاق في قلوبهم الذي سيبعثون عليه ويحصل من قلوبهم فيحاسبون عليه . وكما في قوله } لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه { القيامة 16 ـ 17 ومن المثاني معه قوله } ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه { طـه 114 . وكما في قوله } وقل رب زدني علما { طـه 114 ومن المثاني معه قوله } واذكر ربك إذا نسيت { الكهف 24 يعني ادع ربك أن يزيدك علما كما هو مفصل في حرف طـه . وكما في قوله } قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذن لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا { الإسراء 100 ومن المثاني معه قوله } أم لهم نصيب من الملك فإذن لا يؤتون الناس نقيرا { النساء 53 ويعني أن الإنسان القتور لو كان يملك خزائن رحمة رحمة ربنا لأمسكها عن الناس ولم يؤتهم منها نقيرا وإذن لما أوتي النبيون والرسل منها ما آتاهم ربهم من خزائن رحمته . وكما في قوله } رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد { هود 73 ومن المثاني معه قوله } فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه { النساء 54 ـ 55 ويعني أن ما آتى الله آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك العظيم لم يختص به آل إسرائيل وحدهم بل شاركهم فيه آل إسماعيل فرحمة الله وبركاته على أهل البيت كلهم والكتاب والحكمة والملك العظيم أوتيه آل إبرهيم كلهم فلماذا حسد اليهود الذين عاصروا نزول القرآن بني إسماعيل أن بعث منهم النبي الأمي r وسيأتي من بيانه . بيان قوله } قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين { وإن من تفصيل الكتاب وبيان القرآن أن لفظ النور حيث وقع في الكتاب المنزل فإن له أكثر من دلالة إذ يقع على : 1. نور خارق معجز تشرق به الأرض يوم القيامة كما في قوله } وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب { الزمر 69 2. نور في يوم القيامة يهتدي به المكرمون إلى حيث يأمنون كما في قوله : · } يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا { التحريم 8 · }والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم { الحديد 19 · } يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم { الحديد 12 · }يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم { الحديد 13 3 . نور كالموصوف في سورة النور وعد به الله في القرآن سيرى في الدنيا كما في قوله } أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس { الأنعام 122 وبينته في بيان القرآن . 4 . ويقع على تبين ما في الكتاب المنزل والاهتداء به أي في مقابلة الظلمات وهي كل سلوك ومنهج اختاره الإنسان لنفسه مخالفا لهدي الكتاب المنزل كما في قوله : · } ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور { إبراهيم 5 · } الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات { البقرة 257 · } فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور { الطلاق 10 ـ 11 5 . وأما قوله : · } قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس { الأنعام 91 · } إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور { المائدة 44 · } وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور { المائدة 46 فيعني أن كلا من التوراة والإنجيل قد تضمن موعودات نبأ الله بها موسى وعيسى لن تقع إلا متأخرة كثيرا ، وكذلك النور يقع على البعيد فتراه رغم ظلمات الغيب ، ومما نبأ الله به موسى قوله } وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين { المائدة 20 ، ووقعت نبوة موسى هـذه بعده فجعل الله فيهم أنبياء بعده وجعل فيهم ملوكا كطالوت وداوود وسليمان وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين ومنه أن علم داوود وسليمان منطق الطير وآتاهما من كل شيء ، ومما نبأ الله به عيسى قوله } ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد { الصف 6 6 . وإن المثاني في قوله : · } وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا { الشورى 52 · } يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين { المائدة 15 · } فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا { التغابن 8 · } يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا { النساء 174 · } فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون { الأعراف 157 لتعني أن القرآن نور أنزل من عند الله وكلف الناس بالاهتداء به ، إذ يقع على موعودات بعيدة يوم نزل القرآن على النبي الأمي r وكذلك النور يقع على البعيد فيتراءى لك قبل أن تصل إليه ، وسيعلم الناس رأي العين في الدنيا يوم تقع موعودات القرآن فتصبح شهادة بعد أن كانت غيبا يوم نزل القرآن أن القرآن قول ثقيل ألقي على خاتم النبيين r وأنه قرآن عجب يهدي إلى الرشد وإلى التي هي أقوم إذ سيهتدي به يوم تقع موعوداته أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى ، وسيزداد به الذين في قلوبهم مرض رجسا إلى رجسهم وضلالا إلى ضلالهم . بيان قوله } ولقد آتيناك سبعا من المثاني { ولعل من بيان القرآن والله أعلم أن قوله } ولقد آتيناك سبعا من المثاني { الحجر 87 ليعني أن السبع من المثاني هي الأحرف السبعة التي أنزل عليها القرآن ، فالحديث المتفق عليه ومنه لفظ البخاري عن عمر مرفوعا " إن هـذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه " اهـ حديث صحيح غير أن القراء لم يفهموه إذ حسبوا الأحرف السبعة تعني لغات العرب واختلاف الألفاظ ، ولم يفقهوا أن النبي r قد أرشد الأمة إلى السبع من المثاني التي تضمنها القرآن وهي غاية الأمر بالاستماع للقرآن والأمر بقراءته وتدبره ، وسينتفع بحرف منها على الأقل من قرأ ما تيسر له من القرآن ، فقوله } فاقرأوا ما تيسر من القرآن { المزمل 20 يعني أن من قرأ ما تيسر له من القرآن فقد قرأ حرفا من الأحرف السبعة أو أكثر ، ويعني الحديث النبوي أن إدراك الأحرف السبعة وتبينها في كل موعود من موعودات القرآن في الدنيا هو الغاية التي من أجلها كلفت الأمة كلها بتدبر القرآن والتفكر فيه . ولعل الأحرف السبعة والله أعلم هي : 1. الأسماء الحسنى 2. الغيب في القرآن 3. الوعد في الدنيا 4. النبوة 5. القول 6. الأمثال 7. الذكر فإن لم تكن هـذه هي الأحرف السبعة مجتمعة بذاتها فلقد اجتهدت ونحوت نحوها نحوا والعلم عند الله ، وليجدن من تدبر القرآن أن كل موعود في القرآن ـ وهو كل حادثة ستقع في الدنيا قبل انقضائها ـ قد تضمنها كل حرف من هـذه الأحرف السبعة ، وتضمن كل حرف منها ما شاء الله من المثاني ، وتضمنت كل واحدة من المثاني ذكرا من الأولين ووعدا في الآخرين ، فمتى يعقل أولوا الألباب أن القرآن قول فصل وما هو بالهزل وأن رب العالمين قد فصله على علم ، وأن الأمة لا تزال أمية لم تتدارسه بعد . ولقد نحا الأولون قريبا من مما فهمت لكنهم لم يستطيعوا التفرقة بين الكتاب والقرآن ولا بين أحكام الكتاب كالناسخ والمنسوخ والحلال والحرام والعام والخاص والمجمل والمبين وبين خصائص القرآن كالأمثال والوعد في الدنيا والخبر بمعنى القصص . إن الحديث النبوي الذي تضمن التمثيل بالأسماء الحسنى " عليما حكيما غفورا رحيما" ليعني أن الأسماء الحسنى حرف من الأحرف السبعة بيّنه النبي الأمي r أحسن البيان فمثّل بواحد منها كما سيأتي قريبا إثباته . بيان قوله } أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا { إن قوله : · }أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا { النساء 82 · } وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون { الروم 4 · } ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين { يونس 48 ، يـس 48 ، الأنبياء 38 ، النمل 71 ، سبأ 29 ، الملك 25 · } ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين { السجدة 28 · } وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لوما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين { الحجر 6/7 · } ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد { الرعد 31 · } ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده { الحج 74 · } ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد { آل عمران 194 ويعني حرف النساء أن القرآن تضمن موعودات في الدنيا ستقع كلها بعد نزول القرآن لا يختلف شيء منها عما أخبر الله به في القرآن من قبل وأن لو كان القرآن من عند غير الله لوجدوا اختلافا كثيرا بين موعوداته والحوادث المنتظرة بعده كما يجد الناس اختلافا كثيرا بين ما يقوله الكهنة والمشعوذون وبين ما يقع من الحوادث بعد . ولقد فرغت بحمد الله من الجزء الأول من بيان القرآن وضمنته من موعودات القرآن ما شاء الله مما لم يقع بعد وسيقع في الدنيا وجميعه من ثوابت العقيدة الإسلامية التي آمن بها الصحابة فمن بعدهم إجمالا كما هو مقتضى إيمانهم بالغيب ، وإيمان كل مؤمن بالغيب ، وأثبتّ كل موعود منها بهـذه السبع من المثاني وضمنت كل واحدة منها ما شاء الله من المثاني حسب ما أبصرت ـ بفضل الله ـ من بصائر القرآن المنزل على النبي الأمي r . وكذلك دلالة استعجال المشركين نفاذ موعودات القرآن ليتأتى للرسول به وللمؤمنين معه ادعاء أنهم من الصادقين ، وهكذا فقد سأل إبراهيم الخليل ربه أن ينجز وعده ليصدقه المتأخرون الذين سيشهدون نفاذ الوعد من الله على لسان إبراهيم بعدما كذبه المعاصرون الذين لم يحضروا نفاذها بل كانت لهم غيبا بعيدا كما هي دلالة قوله } واجعل لي لسان صدق في الآخرين { الشعراء 84 ودلالة قوله } ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا { مريم 49 ـ50 ويعني أن الله قد أنجز في المتأخرين ما وعدهم به على لسان إبراهيم وإسحاق ويعقوب وأن المتأخرين قد علموا صدق كل منهم . وكذلك دلالة حرف آل عمران الذي يعني تكليف المؤمنين بالغيب الإيمان بأن ما وعدهم الله به مأتي ينتظرونه ويدعون الله ليصبح شهادة يشهدونه ويؤمنون له بعد أن كانوا مؤمنين به . أما ما وعد الله به محمدا r في القرآن فلن يجد الناس فيه ـ يوم يصبح شهادة في الدنيا ـ اختلافا بينه وبين وعد الله في القرآن كما هي دلالة قوله : · } قل صدق الله { آل عمران 95 · } اتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته { الكهف 27 · } ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين { الأنعام 34 · } وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم { الأنعام 115 · } ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم { يونس 62 ـ 64 · } والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع { ويعني حرف آل عمران أن من القول في القرآن وهو الذي سيتم نفاذه بعد حياة النبي r أن سيعلم الناس صدق الله فيما أخبر به في القرآن أي سيشهدون ويحضرون مطابقة الغيب مع ما أخبر الله منه في القرآن ، ومنه أن سيسمعون التوراة تتلى عليهم ومنها قوله } كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة { . وكما سيأتي بيانه في من أصول التفسير وفي كلية الكتاب ويعني حرف الكهف أن من سنة النبي الأمي r التي كلف بها أن يتلو الكتاب المنزل عليه ، ولما كانت تلاوة النبي r كتاب ربه المنزل عليه مما كلف به أي من سنته كما بينت في حوار مع الأصوليين فإن جميع المؤمنين به تبع له مكلفون كذلك بتلاوة القرآن وتدبره وانتظار نفاذ كلمات ربنا التامات أي التي سيتم نفاذها ، ولن يتخلف عن تلاوة القرآن وتدبره إلا من رغب منهم عن سنة نبيه r ، وأما قوله } لا مبدل لكلماته { فهو مما وعد الله به في الكتاب المنزل أن يتم نفاذ موعوداته وأن لا مبدل لها. ويعني أول الأنعام أن من كلمات الله أي موعوداته أن نصر الله قد تنزل من قبل على الرسل بالآيات بعد صبرهم على التكذيب والإيذاء وأن ذلك الوعد لا مبدل له بعد نزول القرآن بل لا يزال منتظرا كما بينت في كلية الرسالة . ويعني ثاني الأنعام أن جميع الغيب في القرآن سيصبح شهادة في ظل الذين سيؤتيهم ربهم الكتاب ويومئذ يعلمون رأي العين أن محمدا r مرسل من ربه بالقرآن إذ قد تمت أي نفذت موعوداته صدقا وعدلا ، والقطع كذلك بأنها لا مبدل لها هو من الوعد في القرآن . ويعني حرف يونس أن من كلمات الله أي موعوداته قوله عز وجل } ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة { فهو من وعد الذي وعد به ولا تبديل له كما بينته في كلية ليلة القدر . وسيأتي ضمن بيان الأحرف السبعة أن كلمات الله وكلمات ربنا في سياق الوعد في الدنيا هي من حرف الوعد في الدنيا ، وأما في سياق اليوم الآخر فهي من الوعد في الكتاب . ويعني حرف الذاريات القسم من الله على أن الوعد في الكتاب المنزل وعد صادق أي لا اختلاف بينه يوم نفاذه وبين ما وصفه الله به في القرآن قبل عشرات القرون . بيان الأحرف السبعة الحرف الأول : الأسماء الحسنى دلالة الاسمين الله رب العالمين إن من تفصيل الكتاب وأصول الخطاب أن اسم } الله { حيث ورد ذكره في الكتاب المنزل فإنما لبيان عبادة وتكليف من الله المعبود يسع جميع المخاطبين بها الطاعة والعصيان ، أو لبيان أسباب العبادة التي أمدّ الله بها المكلفين ، أو لبيان أثر الإيمان والطاعة ، والكفر والمعصية على المكلفين في الدنيا ، أو لبيان الحساب والجزاء في الآخرة . وإن اسم } رب العالمين { حيث ورد ذكره في الكتاب المنزل فإنما ليقوم به أمر أو فعل خارق يعجز العالمون عن مثله وإيقاعه كما يعجزون عن دفعه أو لبيان نعمه التي لا كسب للمخلوق فيها وما يجب له من العبادة والشكر ، ولاستعانته ليهب لنا في الدنيا ما لا نبلغه بجهدنا ولا نستحقه بعملنا القاصر . ولهـذه القاعدة في الكتاب تقييد له دلالات عميقة كرزق الله الذي يقع على ما لا كسب للمخلوق فيه ورزق ربنا الذي يقع على ما اكتسبه المخلوق بجهده من تمام نعمة ربه عليه . وإنما أسند الرزق إلى الله في الكتاب المنزل على ما لم يكتسبه المرزوق به بجهده كما في قوله : · } ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا { الطلاق 11 · } زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب { البقرة 212 · } يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب { النور 38 · } ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله { الأعراف 50 ولا تخفى دلالته على نعيم أهل الجنة الذين أدخلوها بفضل الله . وكما في قوله : · } وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا وشربوا من رزق الله { البقرة 60 · } وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هـذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب { عمران 37 · } وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها { الجاثية 5 · } وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم { العنكبوت 60 وكان الماء الذي انفجر من الحجر لما ضربه موسى بعصاه هو والمنّ والسلوى الذي نزل على بني إسرائيل مع موسى هما رزق الله بغير جهد منهم ولا كسب ، أمروا أن يأكلوا ويشربوا منه ، وكان ما يلقى إلى مريم من رزق وهي في المحراب هو رزق الله إياها من غير كسب منها ولا جهد ، وكان الماء الذي نزله الله من السماء هو رزق الله الدواب والناس من غير جهد منهم ولا كسب . وإنما وقع في الكتاب رزق ربنا على ما اكتسبه المكلف من تمام نعم ربه عليه كما في قوله : · } لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور { سبأ 15 · } قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا { هود 88 ويعني أن أهل سبإ كانوا يحرثون ويأكلون من الجنتين ويعني أن شعيبا كان قويا كاسبا يأكل من كسبه ولم يكن متسولا يسألهم رزقا . فأما بيان ما كلف الله به من العبادة فكما في قوله } اعبدوا الله { وقوله } اتقوا الله { وقوله } وقوموا لله قانتين { البقرة 232 . وأما بيان أسباب العبادة التي أمدّ الله بها المكلفين وأعانهم بها ليعبدوه فكما في قوله } فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له { العنكبوت 17 من قول إبراهيم يعني اسألوا الله أن يرزقكم لتقوى أجسامكم على الطاعة والعبادة ، وقوله } وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين { الذاريات 56 ـ 58 يعني أن الله يرزق الإنس والجن ليتمكنوا بالرزق والقوت من العبادة ، وكما في قوله } خلق الله السماوات والأرض بالحق { العنكبوت 44 أي لأجل أن يعبد ويذكر فيهما . وأما أثر الطاعة على المكلفين في الدنيا فكما في قوله } ويزيد الله الذين اهتدوا هدى { مريم 76 وقوله } فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين { الفلاح 28 وقوله } هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين { يونس 22 فكانت نجاتهم بسبب أثر طاعتهم في دعوتهم الله مخلصين له الدين . وأما بيان أثر المعصية على المكلفين في الدنيا فكما في قوله } إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم { البقرة 7 أي بسبب كفرهم وإعراضهم عن النذير عوقبوا بذلك ، وقوله } إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون { البقرة 159 فلعنة الله إنما كانت بسبب أن كانوا يكتمون ما جاء به النبيون من البينات والهدى في الكتاب ، وقوله } كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب { الأنفال 52 والمعنى أنهم بسبب كفرهم بنعم الله التي أنعم عليهم بها ليعبدوه ويطيعوه عذبهم في الدنيا . وأما بيان الحساب بعد البعث فكما في قوله } ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب { النور 39 وقوله } يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين { النور 25 . وأما بيان الجزاء فكما في قوله } فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين { المائدة 85 وقوله } ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون { فصلت 28 . وأما بيان أن كل فعل أو أمر أسند إلى ربنا فإنما هو أمر خارق يعجز العالمون عن مثله فكما في قوله } قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر { الإسراء 102 من قول موسى في وصف الآيات المعجزة التي أرسله ربه بها وكما في قوله } قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم { فصلت 9 ـ 12 ، ولا يخفى أن عاقلا من العالمين لا يستطيع ادعاء مثل هذا . وأما بيان أمر ربنا الذي يعجز العالمون عن دفعه فكما في قوله } يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود { هود 76 من قول رسل ربنا من الملائكة الذين أرسلوا بعذاب قوم لوط وكما في قوله } وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر { القمر 50 . وأما بيان نعم ربنا التي لا كسب للمخلوق فيها فكما في قوله } ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله { الإسراء 66 وقوله } ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره { الزخرف 9 ـ 13 . وأما بيان ما يجب لربنا من العبادة والشكر على نعمه فكما في قوله } ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون { الزخرف 13 ـ 14 ، وقوله } لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور { سبأ 15 وقوله } يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم { البقرة21 ـ 21 . وأما بيان ما يجب علينا من استعانته ليهب لنا في الدنيا والآخرة من نعمه ويصرف عنا من الضر والكرب ما لا نستطيعه بجهدنا ولا نستحقه بعملنا القاصر القليل فكما في دعاء النبيين وضراعتهم لربهم حيث وقعت في القرآن كما في قوله } وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم { الأنبياء 83 ـ 84 . إن قوله } باسم الله { حيث وقع في الكتاب فإنما هو للدلالة على عبادة وتكليف من الله يجب أن يقوم به المكلف العابد مستعينا ومبتدئا باسم الله الذي شرع له ذلك الفعل ومخلصا له فيه من غير إشراك معه وكما بدأ طاعته بإعلان أنها باسم الله المعبود الذي شرعها له ، وهكذا ركب نوح ومن معه في السفينة كما في قوله } وقال اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها { هود 41 فأطاع أمر الله حين أوحي إليه قوله } قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن { هود 40 فجرت بهم الفلك على الماء الطوفان وجرت بعدها كل سفينة على الماء والعادة أن تستقر عليه وتغرق فكان جريانها في البحر بما ينفع الناس إنما هو باسم الله الذي أوجب على من في السفينة وعلى الناس أن يستعينوا بالسفن وبمنافعها في طاعة الله وعبادته ، ولو قال نوح باسم ربي مجراها ومرساها لم تجر سفينة على البحر بعدها إلا لمثله ، إذ ما كان باسم ربنا هو الآية الخارقة المعجزة مع رسله من الملائكة والبشر . وهكذا لم يحل من الذبائح والصيد البري إلا ما ذكر اسم الله عليه كما في المائدة وثلاثة كل من الأنعام والحج . إن حرف الأنعام } ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق { الأنعام 121 ليعني أن إزهاق الحياة في الطير والدواب إنما يجب أن يكون باسم الله الذي شرع لنا أكلها لنحيى ونقوى على العبادة ، أما ما لم يذكر اسم الله عليه منها فتجرد من هذا القصد والنية فهو فسق خرج به الإنسان عن الوحي الذي جاء به النبيون وعن مقتضى العبودية إلى المعصية والعبث فحرم على المسلمين أكله ، ولئن كان النهي عن الأكل من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكي منها بإنهار دمه وذكر اسم الله عليه فما ظنك بقتل الصحيح من الطير والأنعام عبثا وما ظنك بقتل الإنسان إذا لم يكن من المكلف به طاعة لله ورسوله . إن الذي يقول " باسم الله " قبل طعامه وشرابه المباح قد أطاع الله في قوله } وكلوا واشربوا ولا تسرفوا { الأعراف 31 ، أما الذي يقول " باسم الله " ويأكل الخنزير والميتة والدم غير مضطر فقد افترى على الله كذبا وادعى أن الله قد شرع ذلك ، وإن الذي يقول " باسم الله " ويطأ زوجته فقد أطاع الله في قوله } وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين { النساء 24 فهي كلمة الله التي استحللنا بها فروج النساء وأما الذي يقول " باسم الله " ويزني فقد افترى على الله وادعى أن الله شرع له الزنا وكلفه به وما أشبهه بسلفه من القرامطة الذين كانوا يقرأون القرآن لابتداء الليالي الحمراء فإذا سكت القارئ أطفئت المصابيح ووقع كل رجل على من تقع يده عليها ولو كانت أخته أو أمه كما سنه علي ابن الفضل الجدني القرمطي في آخر القرن الثالث الهجري في اليمن . إن قوله } باسم الله الرحمن الرحيم { ليعني أن قائلها ككاتبها يشهد على نفسه ويقر بأنه يبتدئ فعلا هو من تكليف الله تماما كما تعني رسالة سليمان إلى ملكة سبإ والملإ معها من قومها } إنه من سليمان وإنه باسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين { النمل 30 ـ 31 أن سليمان رسول الله إلى الناس وأن كتابه هذا هو من رسالته إليهم وهم أعم من بني إسرائيل فزيادة التكليف بقدر زيادة التمكين كما بينت في فقه المرحلية ، ويأتي لاحقا سبب ابتداء فاتحة الكتاب كالسور بـ } باسم الله الرحمن الرحيم { وسبب إيراد اسم الرحمة فيها وفي كتاب سليمان وإنما يتم المعنى في ما تقدم باسم الله إذ هو من تكليف الله عباده فهو من مقدوراتهم ويسع كلا الطاعة والعصيان . ولقد تضمن الكتاب الأمر بذكر الله بأسمائه الحسنى ودعائه بها ومنه } في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه { النور 36 ومن المثاني معه قوله } ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها { البقرة 114 ، ومنه ما تضمنت سورة الأعراف والإسراء وطه والحشر من الأمر بدعاء الله بأسمائه الحسنى . وأما فاتحة العلق } اقرأ باسم ربك الذي خلق { فلإظهار أن قراءة النبي الأمي r القرآن من أوله إلى آخره كما نزله جبريل على قلبه هي خارقة معجزة لا يقدر عليها أحد من العالمين وإنما تمت باسم ربه الذي خلق كما أن خلق الإنسان من علق لا يقدر عليه غير ربه فكذلك قراءة النبي الأمي r القرآن لا يقدر على إيقاعها غير ربه ، وقد يحسب الجاهل ذلك مبالغة بل لو أبدل النبي الأمي r اسما من أسماء الله الحسنى بآخر منها أو حرفا بآخر ولو كان من فواتح السور التسع والعشرين لانخرمت المثاني في الكتاب ولفسد نظم الكلام ومعناه ولوقع فيه اختلاف كثير كما سأثبته إن شاء الله ولبطل وصف البدل بأنه من كلام الله . إن القرآن هو من عند الله وإنما محمد r رسول الله به وخاتم النبيين بلغ وحي الله ولم يزده حرفا أو ينقصه منه رغم أنه كان أميا لا علم له بالكتاب والإيمان قبل نزول الوحي عليه كما في قوله } بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين { يوسف 3 ومن المثاني معه قوله } وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان { الشورى 52 ، وهكذا كانت قراءة النبي الأمي r قد تمت باسم ربه لأنها خارقة معجزة ، وكانت قراءة القرآن بعدها غير خارقة فابتدئت الفاتحة كما السور بقوله } باسم الله الرحمن الرحيم { وتعني أنها كسائر العبادات يسع كلا طاعتها وعصيانها . الأسماء الحسنى إن الوعد غير المكذوب كما في قوله } فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب { هود 65 هو الوعد الحسن كما في قوله } أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه { القصص 61 وكما في قوله } قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا { طه 86 . وإن قوله } ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون { القصص 5 ـ 6 لمن الوعد الحسن أي غير المكذوب ، وقد وقع لما وافق الأجل الذي جعل الله له كما في قوله } وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون { الأعراف 137 ويعني أن كلمة ربنا الحسنى التي تمت أي نفذت هي وعده المذكور في القصص . وإن من تفصيل الكتاب وأصول الخطاب أن الأسماء الحسنى حيث وقعت في الكتاب والقرآن فإنما لبيان وعد وعده الله سيتم إذا وافق الأجل الذي جعل الله له وهو الميعاد ، ولو عقل الناس لانتظروا الميعاد وسيلاقون وعد الله ويجدونه وعدا حسنا غير مكذوب ، وهكذا فلم يأت في الكتاب والقرآن ذكر أسماء الله الحسنى في سياق ما مضى وانقضى من القدر وإنما في سياق المنتظر منه ، وما وجدته كذلك في سياق الماضي المنقضي فهو وعد أن يقع مثله بعد نزول القرآن وإن من تفصيل الكتاب أنه مسبوق بقوله } وكان { وكما سيأتي بيانه مفصلا . الرحمان الرحيم ومن الأسماء الحسنى اسمه الرحمان الرحيم ويعني حيث وقع في القرآن أن وعدا حسنا غير مكذوب سيلاقيه في الدنيا المرحوم من الرحمان الرحيم فلا يعذب أو سيكشف عنه الضر ، ويعني حيث وقع في الكتاب أن وعدا حسنا غير مكذوب سيلاقيه المرحوم من الرحمان الرحيم فينجيه من العذاب الموعود في اليوم الآخر برحمته كما في قوله : · } قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين { الأنعام 15 ـ 16 · }وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم { غافر 9 ويعني حرف الأنعام أن المرحوم في اليوم الآخر هو من صرف عنه العذاب . ويعني حرف غافر أن المرحوم في يوم القيامة هو من وقاه الله السيئات فلم تعرض عليه ولم يحاسب بها . وكما في قوله : · } قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين { هود 43 · } ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم { الإسراء 54 · } يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون { العنكبوت 21 · } قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي { الأعراف 156 ـ 157 · } قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا { الملك 28 ويعني حرف هود أن الطوفان الذي عذب به قوم نوح إنما نجا منه من رحمه الله ، أي أن المغرقين به لم يرحمهم الرحمان بل عذبهم ولن يقدر أحد من العالمين أن يصيب برحمة من لم يرحمه الرحمان كما في قوله } أمن هـذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمان إن الكافرون إلا في غرور { الملك 20 . ويعني حرف الإسراء والعنكبوت والأعراف أن الرحمان إنما يصيب بعذابه من لم يدخله في رحمته بل حرمه منها وأن المرحوم برحمة الرحمان هو الذي يسلم من عذابه . ويعني حرف الملك أن الإهلاك وهو العذاب المحيط بصاحبه فلا ينجو منه إنما يقع على من حرم من الرحمة وكذلك دلالة قوله : · } يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمان فتكون للشيطان وليا { مريم 45 · } وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمان بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون { يـس 22 ـ 24 ويعني حرف مريم أن المحروم هو من لم يرحمه الرحمان وعذبه . ويعني حرف يـس أن من أراده الرحمان بضر لن يغني عنه أحد كائنا من كان ولن ينقذه مما أراده به الرحمان من الضر والعذاب . ولن يحرم من رحمة الرحمان إلا من لا خير فيه ممن هم أضل من الأنعام لهم قلوب لا يفقهون بها ما جاء به النبيون من العلم والهدى والبينات ، ولهم أعين لا يبصرون بها الهدى ، ولهم آذان لا يسمعون بها آيات الله وهي تتلى عليهم كما في قوله : · } بسم الله الرحمان الرحيم { · } وما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث إلا كانوا عنه معرضين { الشعراء 5 · } ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطانا فهو له قرين { الزخرف 36 · } وإذا رءاك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهـذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمان هم كافرون { الأنبياء 36 وتعني البسملة في أوائل السور أن من لم ينتفع بقراء القرآن فهو محروم من رحمة الرحمان كما هي دلالة قوله } وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون { الأعراف 204 ويعني أن قراءة القرآن والاستماع له والإنصات هي أسباب تعقل الذكر ، ومن عقل الذكر فهو حري أن يخشى الرحمان بالغيب لينجو برحمته من العذاب الموعود في الدنيا وفي الآخرة . وتعني البسملة في ابتداء الطاعات أن من لم ينتفع بطاعته فهو محروم من رحمة الرحمان الرحيم . ويعني حرف الشعراء تخويف الناس من الإعراض عن ذكر الرحمان الذي يؤدي إلى تكذيب موعودات الكتاب المنزل يوم تقع ويومئذ لن يرحم الرحمان المعرضين المكذبين بل سيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون أي سيعذبون في الدنيا والآخرة ولا يرحمون . ويعني حرف الزخرف أن من لم يبصر الحق والهدى في ذكر الرحمان وهو الكتاب المنزل فهو محروم من رحمة الرحمان ووليه الشيطان . ويعني حرف الأنبياء أن الكافرين بذكر الرحمان لن يرحمهم من دونه أحد . القادر القدير المقتدر وإن من تفصيل الكتاب وبيان القرآن أن اسمه القادر القدير المقتدر حيث وقع في الكتاب فإنما لبيان وعد حسن غير مكذوب سيتم نفاذه بعد نزول القرآن وكذلك دلالة قوله : · } أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا { الإسراء 99 · } أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم { يـس 81 · } ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير { العنكبوت 20 · } وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير { النحل 77 ويعني أن الله سيفني السماوات والأرض وما فيهما ويعدمهما حتى كأن لم يخلقا من قبل وينشئهما النشأة الآخرة بعد الأولى وهي خلق مثلهم يوم تقوم الساعة كما في المثاني معه في قوله } يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات { إبراهيم 48 . وإن قوله : · } ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير { الحج 6 · } ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير { فصلت 39 · |