![]() | ![]() |
![]() | ![]() |
| |||||||
![]() | ![]() |
| منتدى المشاركات المتميزة يعنى بالمواضيع المتميزة الهادفة الرائعة |
![]() |
| | أدوات الموضوع | طرق مشاهدة الموضوع |
| | رقم المشاركة : 1 | |||||||||||
| السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... كثر الهجوم في الآونة الأخيرة على من يستمع للأناشيد المصحوبة بإيقاع، و على المنشدين الذين يقومون بأدائها، حتى أن سامي يوسف -المنشد الذي جعل الله شرائطه سبباً في إسلام 3 أشخاص بعد أن استمعوا لمعانيها الرائعة في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم- يوصف بالفسق والفجور في بعض المنتديات. و يوصف المستمعين إلى أغانيه بأصحاب البدع التي ستلقيهم في النار. وقد قرأت كتاب للدكتور يوسف القرضاوي، أحب مشاركتكم فيه. و سأضع الجزء الخاص بالغناء والموسيقى فقط وهذا هو الرابط لمطالعة الكتاب كاملاً: [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل] بانتظار آرائكم وتعليقاتكم.. | |||||||||||
|
| | رقم المشاركة : 2 | |||||||||||
| مقـدمـة الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ،وعلى اله وصحبه من اتبع هداه . أما بعد . . . فقد قلت في كتابي « بينات الحل الإسلامي »: لعل« الفن » هو أكثر ما يشغب به على دعاة « الحل الإسلامي » فهم يقولون: إنكم تدعون إلى حياة تحرم فيها البسمة على كل فم ، والبهجة على أي قلب ، و الزينة في أي موقع ، والإحساس بالجمال في أي صورة . وأحب أن أقول : إن هذا الكلام لا أساس له من دين الله . وإذا كان روح الفن هو شعور بالجمال ، والتعبير عنه ، فالإسلام أعظم دين – أو مذهب – غرس حب الجمال والشعور به في أعماق كل مسلم . وقاري ء القرآن يلمس هذه الحقيقة بوضوح وجلاء وتوكيد ، فهو يريد من المؤمنين أن ينظر إلى الجمال مبثوثاً في الكون كله، في لوحات ربانية رائعة الحسن ، أبدعتها يد الخالق المصور ، الذي أحسن خلق كل شيء ، وأتقن تصوير كل شيء : (الَذِي أََحُسَنَ كلَ شَيُءٍ خَلَقَه( السجدة(7) ، ( مَّا تَرَى فِي خَلُقِ الُرَحُمَن مِن تَفَوتُ) الملك(3) ، ( صنُع اللَهِ الَذِي أََتُقَنَ كُلَ شَيُ ء ) النمل(33) . ثم نري القرآن الكريم يلفت الأنظار ، وينبه العقول والقلوب ، إلي الجمال الخاص لأجزاء الكون ومفرداته . . إن القرآن بهذا كله ، وبغيره ، يريد أن يوقظ الحس الإنساني ، حتى يشعر بالجمال الذي أودعه الله فينا وفي الطبيعة من فوتنا ، ومن تحتنا ، ومن حولنا . و أن نملأ عيوننا وقلوبنا من هذه البهجة ، وهذا الحُسن المبثوث في الكون كله . وبعض الحضارات تغفل هذا الجانب و توجه أكبر همها إلى محاولات الإنسان إلى نقل جمال الطبيعة على حجر أو ورق ، أو غير ذلك ، فهو يرى السماء أو البحر أو الجبل ، أو الأنعام ،ولا يلتفت إلي فيها من سر الجمال الإلهي ، و إنما يلتفت إليها حين تنفل إلي لوحة ، أو صورة مشكلة ، فليت شعري أيهما أهم وأقوي تأثيراً في النفس البشرية : الأصل الطبيعي أم الصورة المقلدة ؟ إن الإسلام يحيي الشعور بالجمال ، ويؤيد الفن الجميل ، ولكن بشروط معينة ، بحيث يصلح ولا يفسد ، ويبني ولا يهدم . وقد أحيا الإسلام ألواناً من الفنون ، ازدهرت في حضارته وتميزت بها عن الحضارات الأخرى مثل فن الخط والزخرفة والنقوش : في المساجد ، والمنازل ، والسيوف ، والأواني النحاسية والخشبية والخزفية وغيرها . كما اهتم بالفنون الأدبية التي نبغ فيها العرب من قديم ، وأضافوا إليها ما تعلموه من الأمم الأخرى ، وجاء القرآن يمثل قمة الفن الأدبي ، وقراءة القرآن وسماعه عند من عقل وتأمل إنما هما غذاء للوجدان والروح لا يعدله ولا يدانيه غذاء ، وليس هذا لمضمونه ومحتواه فقط ، بل لطريقة أدائه أيضاً ، وما يصحبها من ترتيل وتجويد وتحبير تستمتع به الآذان ، وتطرب له القلوب ، وخصوصاً إذا تلاه قاري ء حسن الصوت ، ولهذا قال النبي ( صلي الله عليه وسلم ) لأبي موسى : «لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود » رواه البخاري والترمذي.ولا مرا ء في أن موضوع «الفن » موضوع في غاية الخطر والأهمية ، لأنه يتصل بوجدان الشعوب و مشاعرها ، و يعمل على تكوين ميولها و أذواقها ، واتجاهاتها النفسية ، بأدواته المتنوعة والمؤثرة ، مما يسمع أو يقرأ ، أو يرى أو يحس أو يتأمل . ولا مراء في أن الفن كالعم ، يمكن أن يستخدم في الخير والبناء ، أو في الشر و الهدم ، و هنا خطورة تأثيره . ولأن الفن وسيلة إلى مقصد ، فحكمه حكم مقصده ، فإن استخدم في حلال فهو حلال ، و إن استخدم في حرام فهو حرام . وقد عرضت لموضوع « الفن » وموقف الإسلام منه ، في أكثر من كتاب لي ، عرضت له في كتابي « الحلال والحرام في الإسلام » في فضل « اللهو والترفيه في حياة المسلم » ، وفي الحديث عن الصور والتصوير ، وفي مواضع أخرى . وعرضت له في كتابي « فتاوى معاصرة » في جزئه الأول ، وجزئه الثاني ، في فتاوى متعددة حول التصوير والغناء ، بآلة وبغير آلة ، و الدين و الضحك ، و اللعب و الشطرنج ، و غيرها . وعرضت بتفصيل أو في هذا البحث الذي يتناول « الفنون » بأنواعها المتخلفة ، المسموع منها والمشاهد ، وألوان اللهو واللعب ما يضحك وما يبكي ، وذلك باعتباره ملمحاً بارزاً من « ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده » . وفصل الفن واللهو فصل أساسي من كتابنا هذا عن ملامح المجتمع . وقد قرأ بعض الإخوة من الدعاة وأهل العلم والفكر هذا البحث ، أو هذا الفصل ، فوجدوه وافياً في موضوعه ، مقنعا في أدلته ، أصيلاً في نظرته، معاصراً بواقعيته ، فطلبوا إلي أن أفرده بالنشر ، ليعم النفع به ، فقد لا يلتفت الناس إليه وهو جزء من كتاب كبير ، وقد يتعسر على بعض الناس شراؤه . فلم أجد بداً من الاستجابة لهم ، راجيا أن ينفع الله بهذا البحث كل من قرأه ، وأن يجزي خيراً كل من شهره ونشره . وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين . القاهرة : ربيع الأول 1416هـ أغسطس ( آب ) 1995 م . د . يوسف القرضاوي | |||||||||||
|
| | رقم المشاركة : 3 | |||||||||||
| و نريد هنا أن نتحدث عن « الجمال المسموع » ، و بعبارة أخرى : عن الغناء ، سواء أكان بالة موسيقية أم بغير آلة ، و يلزمنا أن نجيب عن هذا السؤال الكبير : ما حكم الإسلام في الغناء والموسيقي ؟ ما حكم الإسلام في الغناء والموسيقى ؟ الأصل في الأشياء الإباحة أدلة المحرمين للغناء و مناقشتها أدلة المجيزين للغناء أولاً: من حيث النصوص ثانيا:ً من حيث روح الإسلام و قواعده القائلون بإجازة الغناء قيود و شروط لابد من مراعاتها الغناء و الطرب في واقع المسلمين لم شدد المتأخرون في أمر الغناء ؟ غناء المجون و الخلاعة غناء الصوفية فقه الإمام الغزالي في القضية العوارض التي تنقل السماع المباح إلى الحرمة تحذير من التساهل في إطلاق التحريم | |||||||||||
|
| | رقم المشاركة : 4 | |||||||||||
| أدلة المحرمين للغناء و مناقشتها ( أ ) استدل المحرمون بما روي عن ابن مسعود و ابن عباس و بعض التابعين : أنهم حرموا الغناء محتجين بقول الله تعالى : ( وَ مِنَ النَاسِ مَن يَشُتَرِي لَهُوِ الحَدِيثِ لِيضِلَّ عَن سَبِيلِ الَلهِ بِغَيُرِ عِلُمِ وَ يَتَّخِذَهَا هزوًا أولَيكَ لَهمُ عَذَاب مهِين) لقمان (6) ) ؛ و فسروا لهو الحديث بالغناء . قال ابن حزم : « ولا حجة في هذا لوجوه : أحدها : أنه لا حجة لأحد دون رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) . و الثاني : أنه قد خالف غيرهم من الصاحبة و التابعين . والثالث : أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها ؛ لأن فيها : ( وَ مِنَ النَاسِ مَن يَشُتَرِي لَهُوَ الُحَدِيثِ لِيضِلَّ عَن سَبِيلَ اللَهِ بِغَيُرِ عِلُمِ وَ يَتَّخِذَهَا هزوًا ) ، و هذه صفة من فعلها كان كافراً بلا خلاف ، إذا اتخذ سبيل الله هزواً . قال : « و لو أن امرءاً اشترى مصحفاً ليضل به عن سبيل الله ، و يتخذه هزواً ، لكان كافراً ! فهذا هو الذي ذم الله تعالى ، و ما ذم قط – عز و جل – من اشترى لهو الحديث ليتلهى به ويروح نفسه ، لا ليضل عن سبيل الله تعالى . فبطل تعلقهم بقول هؤلاء ، و كذلك من اشتغل عامداً عن الصلاة بقراءة القرآن ،أو بقراءة السنن ، أو بحديث يتحدث به ، أو بغناء ، أو بغير ذلك ، فهو فاسق عاص لله تعالى ، و من لم يضيع شيئاً من الفرائض اشتغالاً بما ذكرنا فهو محسن » (المحلى لابن حزم : 9/60 ) . (ب) و استدلوا بقوله تعالى في مدح المؤمنين : ( وَ إِذَا سَمِعواُ اللّغُوَ أَعُرَضواُ عَنُه ) القصص(55) ، و الغناء من اللغو فوجب الإعراض عنه . و يجاب بأن الظاهر من الآية أن اللغو : سفه القول من السب والشتم و نحو ذلك ، و بقية الآية تنطق بذلك . قال تعالى : ( وَ إِذَا سَمِعوُاُ اللَغُوَ أَعُرَضواُ عَنُه وَقَالواُ لَنا أَعُمَالنَا وَلَكمُ أَعُمَالَكمُ سَلَم عَلَيُكمُ لَا نَبُتَغِي الُجَاهِلِيُنَ ) القصص (55) ، فهي شبيهة بقوله تعالى في وصف عباد الرحمن : ( وَ إِذَا خَاطَبَهم الُجَاهِلونَ قَالواُ سَلَمَا) الفرقان (63). و لو سلمنا أن اللغو في الآية يشمل الغناء لوجدنا الآية تستحب الإعراض عن سماعه تمدحة ،و ليس فيها ما يوجب ذلك. و كلمة «اللغو » ككلمة « الباطل » تعني ما لا فائدة فيه ، و سماع ما لا فائدة فيه ليس محرماً ما لم يضيع حقاً ، أو يشغل عن واجب . روي عن ابن جريج : أنه كان يرخص في السماع فقيل له : أيؤتى به يوم القيمة في جملة حسناتك أو سيئاتك ؟ فقال : لا في الحسنات و لا في السيئات ؛ لأنه شبيه باللغو ، قال تعالى : (لا يؤَخِذ كم اللَه بِالَلغُو ِفِي أَيُمَانَكمُ ) (البقرة : 225 ، المائدة : 89 .) . قال الإمام الغزالي : « إذا كان ذكر اسم الله تعالى على الشيء على طريق القسم من غير عقد عليه و لا تصميم ، و المخالفة فيه – مع أنه لا فائدة فيه – لا يؤاخذ به ، فكيف يؤاخذ بالشعر و الرقص » ؟ ! (- إحياء علوم الدين ، كتاب « السماع » ص 1147 – طبعة دار الشعب بمصر). على أننا نقول : ليس كل غناءٍ لغواً ؛ إنه يأخذ حكمه و فق نية صاحبه ، فالنية الصالحة تحيل اللهو قربة ، و المزح طاعة ، و النية الخبيثة تحبط العمل الذي ظاهره العبادة . باطنه الرياء : « إن الله لا ينظر إلى صوركم و أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم » (رواه مسلم من حديث أبي هريرة ، كتاب « البر و الصلة و الآداب » ، باب : تحريم ظلم المسلم) . و ننقل هنا كلمة جيدة قالها ابن حزم في « المحلى » ردا على الذين يمنعون الغناء قال : « احتجوا فقالوا : من الحق الغناء أم من غير الحق ؟ و لا سبيل إلى قسم ثالث ، و قد قال الله تعالى : ( فَمَا ذَا بَعُدَ الُحَقِ إلا الضَلال ) يونس( 32) ، فجوابنا – و بالله التوفيق - : أن رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) قال : « إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرىء ما نوى » (متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب ، و هو أول حديث في صحيح البخاري . ) فمن نوى باستماع الغناء ، و من نوى به ترويح نفسه ، ليقوى بذلك على طاعة الله عز وجل ، و ينشط نفسه بذلك على البر فهو مطيع محسن ، و فعله هذا من الحق ، ومن لم ينو طاعة و لا معصية فهو لغو معفو عنه ، كخروج الإنسان إلى بستانه ، و قعوده على باب داره متفرجاً و صبغه ثوبه لا زورديّاً أو أخضر أو غير ذلك ، و مد ساقه و قبضها ، و سائر أفعاله » (المحلى : 9/60) . ( ج ) و استدلوا بحديث : « كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة : ملاعبة الرجل أهله ، و تأديبه فرسه ، و رميه عن قوسه » (رواه أصحاب السنن الأربعة ، و فيه اضطراب . قاله الحافظ العراقي في تخريج أحاديث « الإحياء » .) . و الغناء خارج عن هذه الثلاثة . و أجاب المجوزون بضعف الحديث ، ولو صح لما كان فيه حجة ، فإن قوله : « فهو باطل » لا يدل على التحريم ، بل يدل على عدم الفائدة . فقد ورد عن أبي الدر داء قوله : « إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل ليكون أقوى لها على الحق » . على أن الحصر في الثلاثة غير مراد ، فإن التلهي بالنظر إلى الحبشة و هم يرقصون في المسجد النبوي خارج عن تلك الأمور الثلاثة ، و قد ثبت في الصحيح ، و لا شك أن التفرج في البساتين و سماع أصوات الطيور ، و أنواع المداعبات مما يلهو به الرجل ، لا يحرم عليه شيء منها ،و إن جاز و صفه بأنه باطل . ( د ) و استدلوا بالحديث الذي رواه البخاري – معلقاً – عن أبي مالك أو أبي عامر الأشعري – شك من الراوي – عن النبي علنه الصلاة و السلام قال : «ليكو نن قوم من أمتي يستحلون الحر (الحر : بكسر الحاء و تخفيف الراء - : أي الفرج ، و المعنى : يستحلون الزنى . و رواية البخاري : الخزّ.) والحرير والخمر والمعازف». والمعازف: الملاهي ، أو آلات العزف. و الحديث و إن كان في صحيح البخاري : إلا أنه من « المعلقات » لا من « المسندات المتصلة » و لذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده و مع التعليق فقد قالوا : إن سنده و متنه لم يسلما من الاضطراب . و قد اجتهد الحافظ ابن حجر لوصل الحديث ، ووصله بالفعل من تسع طرق ، و لكنها جميعاً تدور على راوٍ تكلم فيه عدد من الأئمة النقاد ، ألا و هو : هشام ابن عمار (انظر : تعليق التعليق – للحافظ ابن حجر : 5/17 – 22 ، تحقيق سعيد القزقي – طبع المكتب الإسلامي و دار عمار . ) . و هو – و إن كان خطيب دمشق و مقرئها و محدثها وعالمها ، ووثقه ابن معين و العجلي – فقد قال عنه أبو داود : حدث بأربعمائة حديث لا أصل لها . و قال أبو حاتم : صدوق و قد تغير ، فكان كل ما دفع إليه قرأه ، و كل ما لقنه تلقّن . و كذلك قال ابن سيار . و قال الإمام أحمد : طياش خفيف . و قال النسائي : لا بأس به ( و هذا ليس بتوثيق مطلق ) . و رغم دفاع الحافظ الذهبي عنه قال : صدوق مكثر له ما ينكر (- انظر ترجمته في ميزان الاعتدال ( 4/302 ) ترجمة ( 9234 ) ، و في « تهذيب التهذيب » ( 51/11 – 54 ) . ) . وأنكروا عليه أنه لم يكن يحدّث إلا بأجر ! و مثل هذا لا يقبل حديثه في مواطن النزاع ، و خصوصاً في أمر عمت به البلوى . و رغم ما في ثبوته من الكلام ،فقي دلالة كلام آخر؛ فكلمة «المعازف » لم يتفق على معناها بالتحديد : ما هو ؟ فقد قيل : الملاهي ،وهذه مجملة ، وقيل : آلات العزف . ولو سلّمنا بأن معناها : آلات الطرب المعروفة بآلات الموسيقى . فلفظ الحديث المعلّق في البخاري غير صحيح في إفادة حرمة « المعازف » لأن عبارة « يستحلون » - كما ذكر ابن العربي – لها معنيان : أحدهما : يعتقدون أن ذلك حلال ، والثاني : أن تكون مجازاً عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور ؛ إذ لو كان المقصود بالاستحلال : المعني الحقيقي ، لكان كفراً ، فإن استحلال الحرام المقطوع به – مثل الخمر والزنى المعبر عنه ب « الحر » كفر بالإجمال . و لو سلمنا بدلالتها على الحرمة ، فهل يستفاد منها تحريم المجموع المذكور من الحر و الحرير و الخمر و المعازف ، أو كل فرد منها على حدة ؟ و الأول هو الراجح . فإن الحديث في الواقع ينعى على أخلاق طائفة من الناس : انغمسوا في الترف و الليالي الحمراء ، و شرب الخمور . فهم بين خمر نساء ، و لهو و غناء ، و خزّ و حرير . و لذا روي ابن ماجه هذا الحديث عن أبي مالك الأشعري بالفظ : « ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ، يعزف على رؤوسهم بالمعازف و المعنيات ، يخسف الله بهم الأرض و يجعل منهم القردة و الخنازير » ، و كذلك رواه ابن حبان في صحيحه ، و البخاري في تاريخه . و كل من روي الحديث من طريق غير هشام ابن عمار ، جعل الوعيد على شرب الخمر ، و ما المعازف إلا مكملة و تابعة . ( هـ ) و استدلوا بحديث عائشة : « إن الله تعالى حرم القينة ( أي الجارية 9 و بيعها و ثمنها و تعليمها » . و الجواب عن ذلك : أولاً : أن الحديث ضعيف ، و كل ما جاء في تحريم بيع القيان ضعيف (انظر : تضعيف ابن حزم لهذه الأحاديث و تعليقه عليها في « المحلى » : 9/56 – 59 .) . ثانياً : قال الغزالي : « المراد بالقينة الجارية التي تغني للرجال في مجلس الشرب ، و غناء الأجنبية للفسّاق و من يخاف عليهم الفتنة حرام ، و هم لا يقصدون بالفتنة إلا ما هو محذور . فأما غناء الجارية لمالكها ، فلا يفهم تحريمه من هذا الحديث . بل لغير مالكها سماعها عند عدم الفتنة ، بدليل ما روي في الصحيحين من غناء الجاريتين في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها (الإحياء ص 1148 .) ثالثاً : كان هؤلاء القيان المغنيات يكون عنصراً هاماً من نظام الرقيق ، الذي جاء الإسلام بتصفيته تدريجياً ، فلم يكن يتفق و هذه الحكومة : إقرار بقاء هذه الطبقة في المجتمع الإسلامي ، فإذا جاء حديث بالنعي على امتلاك « القينة » ، و بيعها ، و المنع منه ، فذلك لهدم ركن من بناء « نظام الرق » العتيد . ( و ) و استدلوا بما روي نافع : أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع أصبعيه في أذنية ،و عدل راحلته عن الطريق ، و هو يقول : يا نافع أستمع ؟ فأقول : نعم ، فيمضي ، حتى قلت : لا . فرفع يده و عدل راحلته إلى الطريق ، و قال : « رأيت رسول الله ( صلى الله عليه و آل و سلم ) يسمع زمارة راع فصنع مثل هذا » . و الحديث قال عنه أبو داود : حديث منكر . و لو صح لكان حجة على المحرمين لا لهم ، فلو كان سماع المزمار حراماً ما أباح النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) لا بن عمر سماعه ، و لو كان عند ابن عمر حراماً ما أباح لنافع سماعه ، و لأمر عليه السلام بمنع و تغيير هذا المنكر ، فإقرار النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) لا بن عمر الحلال . و إنما تجنب – عليه السلام – سماعه كتجنبه أكثر المباح من أمور الدنيا ، كتجنبه الأكل متكئاً ، و أن يبيت عنده دينار أو درهم . . . إلخ . ( ز ) واستدلوا أيضاً بما روي : « إن الغناء ينبت النفاق في القلب » ولم يثبت هذا حديثاً عن نبي ( صلى الله عليه وآل و سلم ) و إنما ثبت قولاً لبعض الصحابة أو التابعين ، فهو رأي لغير معصوم خالفه فيه غيره . فمن الناس من قال – وبخاصة الصوفية - : إن الغناء يرقق القلب ، ويبعث الحزن والندم علي المعصية ، و يهيج الشوق إلى الله تعالى ، و لهذا اتخذوه وسيلة لتجديد نفوسهم ، و تنشيط عزائمهم ، و إثارة أشوقهم . قالوا : و هذا أمر لا يعرف إلا بالذوق و التجربة و الممارسة ، و من ذاق عرف ، و ليس الخبر كالعيان ! على أن الإمام الغزالي جعل حكم هذه الكلمة بالنسبة للمغني لا للسامع ، إذ كان غرض المغني أن يعرض نفسه على غيره ، و يروج صوته عليه ، و لا يزال ينافق ويتودد إلى الناس ليرغبوا في غنائه . و مع هذا قال الغزالي : « و ذلك لا يوجب تحريماً ، فإن لبس الثياب الجميلة ، و ركوب الخيل المهملجة ، و سائر أنواع الزينة ، و لا يطلق القول بتحريم ذلك كله ، فليس السبب في ظهور النفاق في القلب : المعاصي ، بل إن المباحات ، التي هي مواقع نظر الخلق ، أكثر تأثيراً » (الإحياء : كتاب « السماع » ص 1151 . ) . ( ح ) و استدلوا على تحريم غناء المرأة خاصة ، بما شاع عند بعض الناس من أن صوت المرأة عورة ، و قد كان النساء يسألن رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) في ملأٍ من أصحابه ، و كان الصحابة يذهبون إلى أمهات المؤمنين و يستفتونهن و يفتينهم ويحدثنهم ،و لم يقل أحد : إن هذا من عائشة أو غيرها كشف لعورة يجب أن تستر . مع أن نساء النبي عليهن من التغليظ ما ليس على غير هن . وقال تعالى : ( وًقلُنَ قَوُلاَ مَّعُروفَاَ) الأحزاب (32 ) . فإن قالوا : هذا في الحديث العادي لا في الغناء ، قلنا : روي في الصحيحين أن النبي ( صلى الله عليه و آل و سلم ) سمع غناء الجاريتين و لم ينكر عليهما ، و قال لأبي بكر : « دعهما » ، و قد سمع ابن جعفر و غيره من الصحابة و التابعين الجواري يغنين . ( ط ) و استدلوا بحديث الترمذي عن علًّى مرفوعاً : « إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة ، حلّ تها البلاء . . . » ، وذكر منها : « واتخذت القينات و المعازف » ، و الحديث متفق على ضعفه ،فلا حجة فيه . و الخلاصة أن النصوص التي استدل بها القائلون بالتحريم إما صحيح غير صريح ، أو صريح غير صحيح . و لم يسلم حديث واحد مرفوع إلى رسول الله ( صلي الله عليه وآل وسلم ) يصلح دليلاً للتحريم ، و كل أحاديثهم ضعفها جماعة من الظاهرية و المالكية و الحنابلة و الشافعية . قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب « الأحكام » : لم يصح في التحريم شيء . و كذا قال الغزالي و ابن النحوي في العمدة . و قال ابن طاهر في كتابه في « السماع » : لم يصح منها حرف واحد . و قال ابن حزم : « و لا يصح في هذا الباب شيء ، و كل ما فيه فموضوع . و والله لو أسند جمعية ، أو واحد منه فأكثر ، من طريق الثقات إلى رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، لما ترددنا في الأخذ به » (انظر « المحلى » : 9/59 .) . | |||||||||||
|
| | رقم المشاركة : 5 | |||||||||||
| تلك هي أدلة المحرمين ، قد سقطت واحداً بعد الآخر ، و لم يقف دليل منها على قدميه . و إذا انتفت أدلة التحريم بقي حكم الغناء على أصل الإباحة بلا شك ، و لو لم يكن معنا نص أو دليل واحد على ذلك غير سوط أدلة التحريم . فكيف و معنا نصوص الإسلام الصحيحة الصريحة ، وروحه السمحة ، و قواعده العامة ، و مبادئه الكلية ؟ وهاك بيانها : أولاً: من حيث النصوص استدلوا بعدد من الأحاديث الصحيحة ، منها : حديث غناء الجاريتين في بيت النبي ( صلي الله عله و آل و سلم ) عند عائشة ، وانتهار أبي بكر لهما ، و قوله : مزمور الشيطان في بيت النبي ( صلي الله عليه و آل وسلم ) ، و هذا يدل على أنهما لم تكونا صغيرتين كما زعم بعضهم ، فلو صح ذلك لم تستحقا غضب أبي بكر إلى هذا الحد . و المعول عليه هنا هو رد النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) على أبي بكر رضي الله عنه و تعليله : أنه يريد أن يعلم اليهود أن في ديننا فسحة ، و إنه بعث بحنيفية سمحة . و هو يدل على وجوب رعاية تحسين صورة الإسلام لدى الآخرين ، و إظهار جانب اليسر و السماحة فيه . و قد روي البخاري و أحمد عن عائشة ذات قرابة لها من الأنصار ، فجاء رسول الله ( صلى الله عليه و آل و سلم ) فقال : « أهديتم الفتاة » ؟ قالوا : نعم . قال : « أرسلتم معها من يغني » ؟ قالت : لا . فقال رسول الله ( صلى الله عليه و آل و سلم ) « إن الأنصار قوم فيهم غزل ، فلو بعثتم معها من يقول : أتيناكم أتيناكم . . فحيانا و حياكم » ؟ و هذا الحديث يدل على رعاية أعراف الأقوام المختلفة ، و اتجاههم المزجي ، ولا يحكم المرء مزاجه هو في حياة كل الناس . و روي النسائي و الحاكم و صححه عن عامر بن سعد قال : دخلت على قرظة بن كعب و أبي مسعود الأنصاري في عرس ، و إذا جوار يغنين . فقلت : أي صاحبي رسول الله أهل بدر يفعل هذا عندكم ؟ ! فقالا :اجلس إن شئت فاستمع معنا ، وإن شئت فاذهب ، فإنه قد رخص لنا اللّهو عند العرس . و روي ابن حزم بسنده عن ابن سيرين : أن رجلاً قدم المدينة بجوارٍ فأتى عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه ،فأمر جارية منهن فغنّت ، و ابن عمر يسمع ، فاشتراها ابن جعفر بعد مساومة ، ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال : ني أبا عبد الرحمن ؛ غبنت بسبعمائة درهم ! فأتى ابن عمر إلى عبد الله بي جعفر فقال له : إنه غبن بسبعمائة درهم ،فإما أن تعطيها إياه ، و إما أن ترد عليه بيعه ، فقال : بل نعطيه إياها . قال ابن حزم : « فهذا ابن عمر قد سمع الغناء و سعي في بيع المغنية ، و هذا إسناد صحيح ، لا تلك الملفقات الموضوعية » (انظر المحلى : 9/63 ) . و استدلوا بقوله تعالى : ( وَ إِذَا رَأَوُاُ تَجِارَةً أَوُ لَهُوًا انفَضّواُ إِلَيُهَا وَتَرَكوكَ قَآئمَاَ قلُ مَا عِنُدَ الّلَه خَيُر مِّنَ اللَهُوِ وَمِنُ التِجَارَة وَ الّلَه خَير الرَازِقِين) الجمعة( 11 ). فقرن اللهو بالتجارة – و هي حلال بيقين - ، و لم يذمهما إلا من حيث شغل الصحابة بهما – بمناسبة قدوم القافلة و ضرب الدفوف فرحاً بها – عن خطبة النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، و تركه قائماً . و استدلوا بما جاء عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم : أنهم باشروا السماع بالفعل أو أقروه . وهم القوم يقتدي بهم فيهتدي . و استدلوا بما نقله غير واحد من الإجماع على إباحة السماع ، كما سنذكره بعد . | |||||||||||
|
| | رقم المشاركة : 6 | |||||||||||
| ثانيا:ً من حيث روح الإسلام و قواعده ( أ ) لا شيء في الغناء إلا أنه من طيبات الدنيا التي تستلذها الأنفس، و تستطيبها العقول، و تستحسنها الفطر، و تشتهيها الأسماع، فهو لذة الأذن . و المنظر الجميل لذة العين، و الرائحة الذكية لذة الشم . . إلخ، فهل الطيبات - أي المستلذات - حرام في الإسلام حلال ؟ من المعروف أن الله تعالى كان قد حرم على بني إسرائيل بعض طيبات الدنيا عقوبة لهم على سوء ما صنعوا ، كما قال تعالى : ( فَبِظلُمِ مِنَ الَذِينَ هَادواُ حَرَّمُنَا عَلَيُهِمُ طَيِبَاتٍ أحِلَّتُ لَهمُ وَ بِصَدِهِمُ عَن سَبِيل اللَه كَثِيرَاَ ( 160 ) وَ أَخُذِهِم الّرِبَواُ وَ قَدُ نهواُ عَنُه وَأَكُلِهِمُ أَمُوَالَ النَاسِ بِالُبَاطِلِ ) النساء(60-61) ، فلما بعث الله محمداً ( صلي الله عليه و آل و سلم ) جعل عنوان رسالة في كتب الأولين أنه : ( يَأُمرهم بِالُمَعُروفِ وَيَنُهَهمُ عَنِ الُمنكَرَ وَ يحِلّ لَهم الُطَيِبَاتِ وَ يحَرِم عَلَيُهِم الُخَبَثَ وَيَضَع عَنُهمُ إِصُرَهمُ وَالأغُلالَ الَتِي كَانَتُ عَلَيُهِمُ ) الأعراف (157). فلم يبق في ال |