العودة   منتديات رنيم للحوار > منتديات رنيم الاسلاميه > منتدى الفكر والعلـوم الإسلامية
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم اجعل كافة المشاركات مقروءة
 

منتدى الفكر والعلـوم الإسلامية واحة القرآن والسنة وعلومهما وما يتعلق بعلوم الشريعة بالأدلة الصحيحة

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 05-05-2004, 17:35 رقم المشاركة : 1
محمد ماجد كاتبي
المشرف

الصورة الرمزية محمد ماجد كاتبي
 
تاريخ التسجيل : Jan 2002
رقم العضوية : 1817
المواضيع :
الردود :
مجموع المشاركات : 3,004
بمعدل : 1.20 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 100
معدل تقييم المستوى : محمد ماجد كاتبي will become famous soon enoughمحمد ماجد كاتبي will become famous soon enough
المخالفات : 0/0 (0)
معلومات إضافية

محمد ماجد كاتبي غير متواجد حالياً

افتراضي أهلاً وسهلاً

مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله موفق المتقين لشكر النعمة ، والصلاة والسلام على من أرسله الله للعالمين رحمة ، وعلى آله وأصحابه الهداة، وعلى سائر من اقتفى أثره واهتدى بهداه.
وبعد:
فلا يشك عاقل صادقُ الحبِّ بأن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف هو الاحتفاء به، والاحتفاء به صلى الله عليه وسلم أمر مقطوع بمشروعيته، لأنه أصل الأصول ودعامتها الأولى، فقد علم الله سبحانه وتعالى قدر نبيه، فعرَّف الوجود بأسره باسمه وبمبعثه وبمقامه وبمكانته ، فالكون كله في سرور دائم وفرح مطلق بنور الله وفرجه ونعمته على العالمين وحجته، فالقرآن الكريم يصف النبي صلى الله عليه وسلم وصفاً بليغاً ويثني عليه إجمالاً وتفصيلاً كما ذكر الإمام أبو سعيد الخركوشي في شرف المصطفى.
فَـمَدَحه في قلبه فقال: نــزَّله على قلبك [البقرة97]. وقال: لنثبّت به فؤادك [الفرقان32]. وقال كذلك: ماكذب الفؤاد مارأى [النجم 11].
ومدحه في خُلقه فقال: وإنك لعلى خُلقٍ عظيم [القلم4].
وذكر وجهه فقال: قد نرى تقلب وجهك [البقرة144].
وذكر بصره فقال: مازاغ البصر وماطغى [النجم17].
وذكر صدره فقال: فلا يكن في صدرك حرج منه [الأعراف 2].
وذكر عمره فقال :لَعَمْرُُكَ إنهم لفي سكرتهم يعمهون [الحجر72].
وذكر عينيه صلى الله عليه وسلم فقال: ولا تمدنَّ عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا [طه131].
وذكر اسمه صلى الله عليه وسلم فقال:والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نُزِّل على محمد وهو الحق من ربهم [محمد2]. وقال تعالى:ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله [الأحزاب4].وقال كذلك:وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل [ آل عمران144]
وقال: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم [الفتح29].
وذكر بلده صلى الله عليه وسلم فقال:لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد [البلد1ــ2].
وذكر نساءه صلى الله عليه وسلم فقال:يانساء النبي لستن كأحد من النساء [الأحزاب 32].
وقال: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم [الأحزاب6].
وذكر نطقه صلى الله عليه وسلم فقال : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [النجم3].
وذكر صوته صلى الله عليه وسلم فقال: لاترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول [الحجرات2].
وذكر عصمته صلى الله عليه وسلم فقال: والله يعصمك من الناس [المائدة 67].
وذكر طاعته صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الرسول فقد أطاع الله [النساء 80].
وتجلى عليه بـقوله: ورفعنا لك ذكرك [الشرح:4].
وقد جاء في التفسير الكبير للفخر الرازي (32/5) عند قوله تعالى : ورفعنا لك ذكرك:
واعلم أنه عام في كل ماذكروه من النبوة، وشهرته في الأرض و السموات ، اسمه مكتوب على العرش، وأنه يذكر معه في الشهادة و التشهد، وأنه تعالى ذكره في الكتب المتقدمة، وأنه صلى الله عليه وسلم ينتشر ذِكره في الآفاق، وأنه ختمت به النبوة، وأنه يذكر في الخطب والأذان ومفاتيح الرسائل، وعند الختم، وجعل ذكره في القرآن مقروناً بذكره واللهُ ورسوله أحقُّ أن يرضوه [التوبة 62]، ومن يطع الله ورسوله [النساء 13]، وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول [النساء 59]، ويناديه باسم الرسول والنبي، حين ينادي غيره بالاسم: ياموسى ياعيسى، وأيضا جعله في القلوب بحيث يستطيبون ذكره وهو معنى قوله تعالى: سيجعل لهم الرحمن ودَّا [مريم: 96] كأنه تعالى يقول: أملأ العالم من أتباعك كلهم يثنون عليك، ويصلون عليك، ويحفظون سنتك . بل مامن فريضة من فرائض الصلاة إلا ومعها سنة، فهم يمتثلون في الفريضة أمري، وفي السنة أمرك، وجعلت طاعتك طاعتي،وبيعتك بيعتي من يطع الرسول فقد أطاع الله [النساء80].إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح10]. لا تأنف السلاطين من اتباعك، بل لا جرأة لأجهل الملوك أن ينصب خليفة من غير قبيلتك، فالقراء يحفظون ألفاظ منشورك، والمفسرون يفسرون معاني فرقانك، والوعاظ يبلغون وعظك، بل العلماء والسلاطين يصلون إلى خدمتك، ويسلمون من وراء الباب عليك، ويمسحون وجوههم بتراب روضتك، ويرجون شفاعتك، فشرفك باق إلى يوم القيامة.اهـ.
وزاد الخازن في تفسيره (4/417) فقال: »رفع ذكره بأخذ ميثاقه على النبيين وإلزامهم الإيمان به والإقرار بفضله«. اهـ.
وذكر ذلك أيضا ابن الجوزي الحنبلي في زاد المسير (9/164) وزاد : ورفعنا لك ذكرك عند الملائكة في السماء. اهـ.
وقد ذكر مثل ذلك الإمام الشوكاني وزاد في تفسيره فتح القدير (5/462): »وبالجملة فقد ملأ ذكرهُ الجليل السمواتِ والأرضَ، وجعل الله له من لسان الصدق، والذكر الحسن، والثناء الصالح مالم يجعله لأحد من عباده ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [الحديد:21].
اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله عدد ماصلى عليه المصلون بكل لسان في كل زمان، وما أحسن قول حسان رضي الله عنه:
أغـر عليـه للنبـوة خاتـــم
من الله مشهور يلوح ويشــهد
وضم الإله اسم النبي مع اسـمه
إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشـق له من اسـمه ليجلــه
فـذو العرش محمود وهذا محمد
اهـ . الشوكاني رحمه الله تعالى.
* * *
فالاحتفال بالمولد النبوي الشريف عمل فيه إظهار الفرح والسرور والحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وماكان كذلك فهو مما يندب إليه الشارع ويحبذه، فهذا ليس بمنكر ولا باطل، بل معروف من مقاصد الشريعة المحكمة، لذا اشترط العلماء في قراءة المولد أن يكون من عالم أو طالب علم، وأن يكون محاطاً بالسكينة والوقار، وأن لا يختلط فيه الرجال بالنساء، وأن لا تصحبه آلات الطرب باستثناء (الدف) على بعض الأقوال.
فلا يجوز الاحتفاء بمولد سيد الإنسانية إلا بالشروط المذكورة، كما لا يصح منع الاحتفال باستعمال قاعدة سد الذرائع، لأن قاعدة سد الذرائع يعمل بها إذا كانت لا تغيّب أصلاً أجمع عليه الناس، ولا تفوت مصلحة ضرورية على المسلمين، نظراً لإمكان منع المفاسد.
مثال ذلك غرس العنب والتمر والحنطة التي يصنع منها الخمر، فهل نمنع غرسها نظراً لذلك؟! هذا لا يقول به عاقل.
وكذلك لا نمنع مجلساً يذكر فيه الله ورسوله وسير الصالحين، ذلك المجلس الذي ترق فيه القلوب وتتعلق بقائدها ومنقذها سيد الأنام محمد صلى الله عليه وسلم ، ذلك التعلق دافع لتثبيت الإيمان وبلوغ درجة الإحسان، الذي هو البر في أرقى صوره بدليل الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم بخطاب الحاضر.
(إن الصدق ليهدي إلى البر وإن البر ليهدي إلى الجنة« والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم هي رأس البر التي ترفع المؤمن إلى أعلى درجات الإيمان، فلا يجوز إذاً منع هذا الاحتفال لتخلله بعض المخالفات الشرعية في بعض الأقطار الإسلامية، بل تمنع تلك المفاسد، وتُنقى تلك الاجتماعات من تلك الشوائب، حتى يعم الخير والنور.
وقد دعاني ذلك كله لتأليف رسالة في هذا الموضوع سميتها: »بلوغ المأمول في الاحتفاء والاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم ).
وقد سبقني أئمة كبار في هذا الميدان أخص منهم سيدي وأستاذي العالم العلامة الدكتور محمد بن علوي المالكي الحسني، الذي كتب رسالة موجزة في هذا الباب، جامعة مانعة لما أثير حول المولد من الارتياب، ولا يحق لي أن أخط بقلمي بعد قلمه، ولكن بعد الاستخارة والاستشارة وإذنِه حبََّرت باليراع ما أفاض الله به عليَّ معتمداً على من سبقني في ذلك بعد اعتمادي عليه سبحانه وتعالى.
تمهيــد
وقبل الدخول في تفاصيل الأدلة الواردة في تعظيم هذه الذكرى العزيزة يحسن بنا أن نذكر معنى المولد، والمقصود من تعظيمه، وفوائد ذلك كله فأقول :
المولد معناه اللغوي : وقت الولادة أو مكانها. وأما في اصطلاح الأئمة فهو: اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن الكريم ورواية الأخبار الواردة في ولادة نبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء ومدحهم بأفعالهم وأقوالهم(1).
فالمقصود من الاحتفال بالمولد هو تعظيم الأنبياء والأولياء والصلحاء مصداقاً لقوله تعالى : ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب [الحج:32].

ولاشك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أعظم شعائر الله قطعاً وأجلها قدراً، ويتأكد ذلك عند مولد نبينا صلى الله عليه وسلم حيث ورد تعظيمه في الكتاب الكريم وفي السنة المطهرة .
هذا وللمولد النبوي فوائد كثيرة، منها: أن الاحتفال به يشتمل على ذكر مولده الكريم، ومعجزاته، وسيرته، والتعريف به صلى الله عليه وسلم .
هذا بالإضافة إلى اجتماع الناس على تلاوة القرآن الكريم وقراءة الأحاديث والسير وإطعام الفقراء والمساكين.
ومن فوائد الاحتفال بالمولد النبوي أيضاً إحياء ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم ، فقد قال الحافظ السيوطي رحمه الله في الحاوي للفتاوي 251/1: »إن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات...هو من البدع الحسنة(2) التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.
وقال الإمام شهاب الدين المعروف بأبي شامة الشافعي رحمه الله في كتابه الباعث على إنكار البدع والحوادث ص23: »ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق من مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك ــ مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء ــ مشعر بمحبته صلى الله عليه وسلم، وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكراً لله تعالى على ما مَنَّ به من إيجاد رسوله، الذي أرسله رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم«.
ويتساءل المسلم هل عمل المولد عبادة، أم هو عادة، والصحيح أنه ليس بعبادة بالمعنى المتبادر ولا عادة بل هو سعادة، واستجابة لأمر الله في وجوب توقيره وتعزيره صلى الله عليه وسلم بكرة وأصيلاً، وهذا هو الدين كله، ومظهر من مظاهر التعظيم لشعائر الله لقوله تعالى: ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. ولا يصح بحال الخلط بين الأوراق والتلبيس على العامة بين المعاني المتداخلة، فالعبادة معنى، والشعيرة معنى.
تعريف العبادة: لغة واصطلاحاً:
أ ـ التعريف اللغوي: قال ابن سيده في المخصص (4/96): »أصل العبادة في اللغة هي التذليل، من قولهم: طريق معبَّد، أي مذلل بكثرة الوطء عليه. والعبادة والخضوع والتذلل والاستكانة قرائب في المعاني، يقال: تعبَّد فلان لفلان: إذا تذلل له، وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة، طاعة كان للمعبود أو غير طاعة، وكل طاعة لله على جهة الخضوع والتذلل فهي عبادة، والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم، كالحياة والفهم والسمع والبصر، فلذلك لا يستحق العبادة إلا الله«.
ب ـ التعريف الاصطلاحي:
قال العلامة الشيخ سلامة العزامي القضاعي الشافعي المتوفى سنة 1356 هـ في كتابه (البراهين الساطعة)، ونقله عنه علامة مكة المكرمة الشيخ محمد العربي التباني المالكي المتوفى سنة 1390هـ، في كتابه (براءة الأشعريين): »معنى العبادة شرعاً هو الإتيان بأقصى الخضوع، قلباً وقالباً، فهي إذاً نوعان: قلبية وقالبية.
فالقلبية : هي اعتقاد الربوبية أو خصيصة من خصائصها كالاستقلال بالنفع أو الضر ونفوذ المشيئة لا محالة لمن اعتقد فيه ذلك.
والقالبية: هي الإتيان بأنواع الخضوع الظاهرة من قيام وركوع وسجود وغيرها، مع ذلك الاعتقاد القلبي، فإن أتى بواحد منها بدون ذلك الاعتقاد لم يكن ذلك الخضوع عبادة شرعاً ولو كان سجوداً، وإنما قال العلماء بكفر من سجد للصنم؛ لأنه أمارة على ذلك الاعتقاد، لا لأنه كفر من حيث ذاته؛ إذ لو كان لذاته كفراً لما حلَّ في شريعة قط، فإنه حينئذٍ يكون من الفحشاء، والله لا يأمر بالفحشاء.
وقد كان السجود لغير الله عزَّ وجل على وجه التحية والتكريم مشروعاً في الشرائع السابقة، وإنما حُرِّم في هذه الشريعة، فمن فعله لأحد تحية وإعظاماً من غير أن يعتقد فيه ربوبية كان آثماً بذلك السجود، ولا يكون به كافراً إلا إذا قارنه اعتقاد الربوبية للمسجود له، ويرشدك إلى ذلك قوله عزَّ وجل في يعقوب نبي الله وامرأته وبنيه حين دخلوا على يوسف وخروا له سجداً، قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (2 / 492).: أي سجد له أبواه وإخوته الباقون وكانوا أحد عشر رجلاً... وقد كان هذا سائغاً في شرائعهم، إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزاً من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام فحُرِّم هذا في هذه الملة«. اهـ.
وبهذا التعريف قد اجتمعت لدينا ثلاثة قيود:
1 ـ اعتقاد انفراد المعبود بحق بالتأثير والتدبير المطلق (بذاته) في كل شيء.
2 ـ اعتقاد انفراد المعبود باستحقاق الخضوع له وحده.
3 ـ كون ذلك العمل من أعمال الإرادة الاختيارية، ليتقرب بها العبد إلى الله تعالى، مصحوباً بالتذلل والخضوع والانكسار لما أذن الله به.
ويشتمل ذلك على الآتي:
1ـ ما كانت الاستجابة فيه لأمر فرضاً كان أو مستحباً.
2ـ أو الامتناع عما كان النهي عنه تحريماً أو كراهة.
3ـ أو مباحاً انقلب بنية إلى مطلوب أو محظور.
4ـ أو دلَّ الدليل على تعظيمه من الشارع، وهذا الأخير لا تتحقق فيه صفة العبادة، بملاحظة قصد الشارع من التعظيم لذاته، وإنما العبادة تأتي من جهة وجوب ارتباط التعظيم من العبد لما عظم الخالق. فإذا أشار الدليل إلى منزلة معتبرة ومعظمة عند الشارع لمكان، أو فعل فيه، أو زمان، أو ذات، طلب من العبد أن يلتزم بما التزم الشرع به من هذا التعظيم، فكان عبادة بهذا المعنى.
وقد تكون العبادة فرضاً كالصلوات الخمس، وقد تكون سنة كصيام يوم الخميس، وقد تكون أمراً مباحاً ولكن تصبح طاعة بنية القربى إلى الله تعالى. كالأكل والشرب بنية امتثال قوله تعالى: كلوا واشربوا.
شعائر الله:
1) الشعائر جمع شعيرة وهي تطلق على مناسك الحج، كالطواف والسعي.
2) وتطلق على الأماكن التي تكون عندها العبادة كالمشعر الحرام.
فالعبادة إذاً في الإسلام: هي مطلق الطاعة والخضوع لله تعالى في تنفيذ ما شرع فرضاً كان أو نفلاً أو مباحاً بنية القربة ضمن الأصول والقيود الشرعية المتقدمة.
3) وتطلق الشعيرة أيضاً على كل معلم من معالم الإسلام، عبادة كانت أو مكاناً أو شخصاً فكل معلم من معالم الإسلام شعيرة، ومن هنا يتضح الفرق بين الشعيرة والعبادة.
فالشعيرة أعم والعبادة أخص فكل عبادة شعيرة، وليس كل شعيرة عبادة.
فالشارع أمرنا بتعظيم البيت الحرام وبناء المساجد وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره ولم يأمرنا بعبادة الكعبة ولا بعبادة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بعبادة المساجد ولا بعبادة الصحابة والصالحين من عباد الله مع أن توقيرهم واجب واحتقارهم كفر لأنهم يمثلون الدين.
وكذلك طباعة المصحف والتذلل للأبوين والمؤمنين تعد من شعائر الله وليس ذلك عبادة لتلك الشعائر.
فالمولد النبوي بهذا المقتضى يعتبر شعيرة من شعائر الدين، بل هو الدين لأنه يحكي سيرة الأمينصلى الله عليه وسلم فالقرآن الكريم هو خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل دستور الإسلام وقد مثله رسول اللهصلى الله عليه وسلم أجل تمثيل في ذاته وفي حياته، وفي مجتمعه، فحينما نحتفل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم إنما نحتفي بالقرآن الذي يحمل قيم وأخلاق الإسلام العظيمة، ففي تفسير الإمام الفخر الرازي (23 / 32) ما نصّه: »والأصل في الشعائر الأعلام التي بها يعرف الشيء ويكون وسيلة إلى رحمة الله تعالى، فتعظيم شعائر الله تعالى أن يعتقد أن طاعة الله تعالى في التقرب بها، فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب«.اهـ.
فمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة لما يحتوي عليه الاحتفاء من تعريف الأمة بقدر هذا النبي صلى الله عليه وسلم من خلال شمائله وسرد سيرته نثراً أو شعراً وغرس محبته وإجلاله في قلوب المسلمين، والدعوة إلى التأسي والاقتداء به.
فبهذا يعتبر مظهراً من مظاهر الدين، وشعيرة من شعائره، ووسيلة مشروعة، لبلوغ محبة الله عز وجل قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله... وقوله صلى الله عليه وسلم : »لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين«
فلا يكون الاتباع إلا بمعرفة، ولا تكون المعرفة إلا بالذكر والتذكير والتعريف والبيان بأي وسيلة عرفها الإنسان بحسب مقتضى كل عصر ومجتمع. وليس في الشريعة ما يمنع من الاستفادة من وسائل التعريف والبيان المستجدة في كل عصر ومصر بحيث لا يصطدم بحكم أو نص شرعي مقرر وقد جاءت القاعدة الأصولية في هذا البيان أن »الوسائل لها حكم المقاصد« إذا كان المقصد شرعياً، فلا مدخل للابتداع في مثل ذلك، كما يثيره المخالف، علماً بأن المولد النبوي الشريف يستمد مشروعيته من الأدلة العامة قبل الخاصة، فأما الخاصة فسترد خلال هذه الرسالة، وأما العامة فقد ثبت المولد بدليلين من القرآن الكريم لا يماري فيها إلا مكابر.
الدليل الأول: قوله سبحانه وتعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ومن المعلوم أن ذكر الله عبادة، تفردت بعدم التقييد والتخصيص بوقت معين، بل إن صفتها الإطلاق، فيجوز للمؤمن أن يلتزم بها حسب نشاطه، في في أي وقت شاء، وبدون تحديد عدد، أو صفة معينة، ويدلّ على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: »من قال لا إله إلا لله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد أفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك«.
وهذا الأمر نحاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تبعهم بإحسان، في ذكرهم لله، وصلاتهم على رسوله صلى الله عليه وسلم:
اختيار الوقت: ثبت بأسانيد صحيحة وكثيرة أن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه خصص عشية يوم الخميس ليحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه ابن أبي شيبة في المصنف (565/8)، والحاكم في المستدرك (111/1 و314/3) و الطبراني في المعجم الكبير (123/9) وغيرهم بأسانيد متعددة.
اختيار الصيغة: عن سلامة الكندي قال: كان سيدنا علي رضي الله عنه يُعَلِّم الناس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: »اللهم داحي المدحوات، وبارئ المسموكات، وجبار القلوب على فطرتها، شقيها وسعيدها، اجعل شرائف صلاتك، ونوامي بركاتك، ورأفة تحننك على محمد عبدك ورسولك الخاتم لما سبق، والفاتح لما أغلق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ لجيشات الأباطيل، كما حُمِّل فاضطلع بأمرك بطاعتك، مستوفزاً في مرضاتك، بغير نكل عن قدم، ولا وهن في عزم، واعياً لوحيك، حافظاً لعهدك، ماضياً على نفاذ أمرك، حتى أورى قبساً لقابس، آلاء الله تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم، وأنهج موضحات الأعلام، ونائرات الإسلام، فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمة، ورسولك بالحق رحمة، اللهم افسح له مفسحاً في عدنك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك، مهنئات له غير مكدرات من فوز ثوابك المحلول وجزيل عطائك المعلول، اللهم اعلِ على بناء البنائين (الناس) بناءه، وأكرم مثواه لديك ونزله، وأتم له نوره، واجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة ومرضيّ المقالة، ذا منطق عدل وخطة فصل وحجة وبرهان عظيمصلى الله عليه وسلم«.
أخرجه الطبراني في الأوسط (36/10)، (وكما في معجم البحرين للهيثمي 27/8)، وابن أبي عاصم في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ص26 برقم (23).
وأخرجه أيضاً سعيد بن منصور والطبري في مسند طلحة، وأبو جعفر أحمد بن سنان القطان في مسنده وعنه يعقوب بن شيبة في أخبار علي، وابن فارس وابن بشكوال هكذا موقوفاً. (كما في القول البديع للسخاوي ص53-54 والنص المذكور منه).
وله طريق آخر أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (6 / 66 رقم 29520 ط الحوت)، وزاد في آخره: » اللهم اجعلنا سامعين مطيعين، وأولياء مخلصين، ورفقاء مصاحبين، اللهم بلغه منا السلام واردد علينا منه السلام«. فيحسن الحديث بهذين الطريقين.
وقال ابن كثير: هذا مشهور من كلام علي (نقله السخاوي أيضاً في القول البديع، ومنه أخذنا ضبط ما في حديث عليّ من مشكل ص105).
وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشهد: »التحيات لله الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته« قال ابن عمر: زدت فيها: (وبركاته)، (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله) قال ابن عمر: زدتُ فيها: (وحده لا شريك له) وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رواه أبو داود في سننه (971) بإسناد صحيح.
اختيار العدد: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »»من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد أفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك«. رواه مسلم في صحيحه (17/17 بشرح النووي)، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: هذا فيه دليل على أنه لو قال هذا التهليل أكثر من مئة مرة في اليوم كان له هذا الأجر المذكور في الحديث على المئة، ويكون له ثواب آخر على الزيادة، وليس هذا من الحدود التي نهى عن اعتدائها ومجاوزة أعدادها وأن زيادتها لا فضل لها أو تبطلها كالزيادة في عدد الطهارة وعدد ركعات الصلاة. انتهى.
وفي رواية للحديث عند أحمد في المسند 185/2 والطبراني في كتاب الدعاء 949/2 عن عبدالله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، مئتي مرة في يوم، لم يسبقه أحد كان قبله، ولا يدركه أحد بعده إلا بأفضل من عمله«.
قال الهيثمي في المجمع 86/10: ورجال أحمد ثقات وفي رجال الطبراني من لم أعرفه.
وكان لأبي هريرة رضي الله عنه خيط فيه ألفا عقدة، لا ينام حتى يسبح به، رواه أبو نعيم في الحلية 383/1 .
وقال أبو هريرة: إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم اثني عشر ألف مرة. رواه أبو نعيم في الحلية 383/1 وابن سعد (كما في الإصابة 209/4)، وإسناده صحيح، وصححه الحافظ في الإصابة.
قال عبدالله ابن الإمام أحمد بن حنبل: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاث مئة ركعة، فلما مرض من تلك الأسواط أضعفته فكان يصلي كل يوم وليلة مئة وخمسين ركعة. (سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي 212/11).
وهذا الإمام المحدث العارف بالله الولي الحجة أبو عمر المقدسي الحنبلي (ت607هـ) كان يصلي كل ليلة جمعة بين العشاءين صلاة التسابيح أربع ركعات ويطيل فيها، وكان يصلي يوم الجمعة ـ قبل صلاة الجمعة ـ ركعتين، كل ركعة يقرأ فيها »قل هو الله أحد« خمسين مرة.
وحكى ولده عن أهله: أنه كان يصلي في كل يوم وليلة اثنتين وسبعين ركعة نافلة.
وممن حكى من أهله أم عبدالرحمن: أنه كان يقرأ كل يوم: قل هو الله أحد ألف مرة، ويقول: »سبحان الله وبحمده«، ألف مرة،» سبحان الله العظيم«، ألف مرة، ويقول: »سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر«، ألف مرة، و»لا إله إلا الله الملك الحق المبين«، ألف مرة.
وكان إذا دخل منزله قرأ: »قل هو الله أحد« خمس مرات... ولا يجلس حتى يركع ركعات إلا أن يكون مريضاً فيصلي جالساً.
قلت (القائل الحافظ الضياء المقدسي): وكان يزور المقابر كل جمعة بعد العصر، ولا يكاد يأتي إلا ومعه شيء من الشيخ في مئزره، أو شيء من نبات الأرض.
وكان يقرأ كل ليلة بعد عشاء الآخرة آيات الحرس، لا يكـاد يــتركـها.
(انظر مناقب الشيخ أبي عمر المقدسي للإمـام الحـافظ ضــياء الـدين المقدسي ص32-33)، ونقل هذا الكـلام الحافظ الــذهبي في سير أعلام النبلاء (22 / 6-7). وفي تاريخ الإسلام (حوادث 601 - 610هـ . ص 267- 268).
وأما الدليل الثاني: فقوله تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ذكر مطلق يأتي به المسلم بما شاء من الأعداد في أي وقت كان... وما مولد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ذكر لله وصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي أي وقت جاء به المسلم وعلى أي كيفية شرعية: جاز له ذلك.
وبهذا قد اندحضت شبهة من ألزم المحتفي بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدعة تخصيص وقت معين، فتخصيص وقت معين للاحتفاء مدفوع بالدليلين المتقدمين من أدلة العموم.
وسنورد لك أيها القارئ الكريم ـ بشيء من التفصيل ـ الأدلة الواردة في ذلك إن شاء الله تعالى.
* * *
وقد قسمت هذه الرسالة إلى أربعة فصول :
الفصـل الأول: الأدلـة من القرآن الكـريم
الفصل الثـاني: الأدلـة من السنة المشرفة
الفصل الثـالث: دليـــل الإجماع
الفصـل الـرابع: شـبـهـات وردود


· الفصل الأول: الأدلة من القرآن الكريم
·الدلــيل الأول: قل بفضل الله...
·الدليل الثــاني: وكلاً نقص عليك ..
·الدليل الثالث: ربنا أنزل علينا مائدة...
·الدليل الرابـع: قصة ميلاد عيسى ويحيى مريم ..
·الدليل الخامس: لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه...
·الدليل السادس: لقد منّ الله على المؤمنين...
·الدليل السابع: إن الله وملائكته يصلون ...
·الدليل الثامن: سبحان الذي أسرى بعبده...
·الدليل التاسع: إنا أنزلناه في ليلة مباركة...



الأدلة من القرآن الكريم
لقد ورد في القرآن الكريم أدلةً كثيرة تحض على الاحتفاء والابتهاج بسيد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم، إما تصريحاً وإما تلويحاً، وأقتصر في هذا المختصر على بعض الأدلة التصريحية وهي على النحو الآتي:
الدليل الأول: قال تعالى: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا [يونس 58].
فالله عَزَّ وجَّل طلب منا أن نفرح بالرحمة، والنبيُّّ صلى الله عليه وسلم رحمة، وقد قال تعالى: وماأرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء 107].
وفي الدر المنثور للحافظ السيوطي (4/367) أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: فضل الله العلمُ، ورحمتُهُ النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين .اهـ.
وذكر الرحمة في الآية بعد الفضل تخصيص بعد العموم المذكور وهو يدل على شدة الاهتمام، وإن مجيء اسم الإشارة »ذلك« لأكبرُ الأدلة على الحض على الفرح والسرور لأنه إظهار في موضع الإضمار، وهو يدل على الاهتمام والعناية.
ولذلك قال الآلوسي في روح المعاني(10/141) عند قوله تعالى: فبذلك فليفرحوا: الآية للتأكيد والتقرير، وبعد أن رجح كون الرحمة المذكورة في الآية هي النبي صلى الله عليه وسلم قال: والمشهور وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة كما يرشد إليه قوله تعالى:وما أرسلناك إلا رحمة للعالمينالآية اهـ.وينظر تفسير أبي السعود (4/156)
وقال الإمام الرازي في التفسير الكبير (17/123) عند قوله تعالى: فبذلك فليفرحوا: يفيد الحصر، يعني يجب ألا يفرح الإنسان إلا بذلك.اهـ.
* * *
الدليل الثاني: قال الله تعالى: وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل مانثبت به فؤادك [هود120] في الآية أهمية قصِّ أنباء الرسل لما في ذلك من تثبيت الفؤاد، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل، والمولد النبوي الشريف يشتمل على أنباء النبي صلى الله عليه وسلم ، ففي ذكره تثبيت لأفئدة المؤمنين فهو حث على تكرار ذكر المولد والعناية به.
وقد قلت في هذا المعنى:
كلاً نقص عليك من أنبائهم ممـا نثبت قـلبـك الذَّكَّارا
فسواه أولى في ثبات فؤاده وثناه أولــى أن يكون شعارا
* * *
الدليل الثالث : قوله تعالى حكاية عن عيسى بن مريم عليهما السلام: ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين [المائدة 114].
قال الشيخ إسماعيل حقي في روح البيان (2/446) عند هذه الآية: »أي يكون يوم نزولها عيداً نعظمه، وإنما أسند ذلك إلى المائدة لأن شرف اليوم مستفاد من شرفها«. اهـ.
وآية أخرى تعضد ذلك وتقويه، وهي قوله تعالى على لسان سيدنا عيسى عليه السلام: والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا [مريم:33].
هذه الآية والتي قبلها وغيرهما من آيات(1) ، حافلة بالإشارات إلى ميلاد المسيح عليه السلام، ومدحه ومزاياه التي مَنَّ الله بها عليه، وهي بمجموعها شاهدة وداعية إلى الاحتفال بهذا الحدث العظيم.
وما كان ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم بأقل شأناً من ميلاد عيسى عليه السلام، بل ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم منه، لأنه صلى الله عليه وسلم أكبر نعمة، فيكون ميلاده أيضاً أكبر وأعظم.
واقرأ قوله تعالى: ولقد أرسلْنا موسى بآياتنا أن أَخْرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله [إبراهيم5]، وقوله تعالى: واتل عليهم نبأ إبراهيم [الشعراء69] والمراد هو ذكرهم وذكر ما أنعم الله به عليهم، وذكر ما جاؤوا به من الهدى والنور والتشريع والحِكم والمواعظ والمعجزات، مما يلفت القلوب والعقول إلى فضل الله على عباده، ليلتفتوا بذلك إلى حق الله عليهم، لعلهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، ويدعونه رغباً ورهباً وذلك من أنباء الرسل منذ ولادتهم إلى أن يتوفاهم الله في جميع أحوالهم، هدى للناس يثبت الله به القلوب، وينير العقول، ويسمو بالأرواح، ويصقل البصائر، ويزكي المشاعر، ويسلس قياد الأنفس الجامحة، فترد إلى طاعة الله وإلى الوله بحبه، والعكوف عليه والتمسك به، والتعلق بمراضيه، والنفرة من غضبه، وكلُّ ذلك وأكثر منه مما تفيده الذكرى والتذكير بنعم الله، والاحتفال بها، ومن ثم حسنت دعوة الناس إليها، وتوعيتهم وتحريضهم على اتباع أصحابها، ومحاكاة مُثُلها السامية، وإنما يكون تشويق النفوس إلى المقاصد السنية والغايات الشريفة والمقامات المنيفة بذكر من به تكون الأسوة الحسنة، وليس ثمة أقوى تأثيراً في الحس من ذكر سيرة من عرفه الناس وأحبوه، وانتصبت صورته بأذهانهم بمحل الإجلال والإكبار، فإذا سمعوا أخباره وتليت عليهم أنباؤه، وجليت لهم مظاهر العظمة في سيرته، ومواطن الإعجاب من أقواله وأفعاله، تطلعوا إلى الاقتداء به والمحاكاة له برغبة ملحة، وأشواق كبيرة، وكم أصاب المسلمين من الخسران المبين حينما طرحوا ذكر أمجادهم وسيرهم الحافلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والغريب أنهم طرحوا تعاطي ذكر أمجاد رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، والقرآنُ الكريم يكرر ذكر سير الأكابر، ولقد عُني بــذكرهم من يوم أن كانوا أجنة في بطون الأرحام إلى أن توفاهم الله.
وأما من اعترض على تسمية المولد بـ »عيد المولد« مستدلاً بأن في الإسلام عيدين فقط: عيد الأضحى وعيد الفطر؛ فقد أخطأ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »يوم عرفة، ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب«.
رواه الترمذي (773)، وقال: »حديث حسن صحيح«.
وعن سيدنا عمر رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرأونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً.
قال سيدنا عمر رضي الله عنه: أي آية؟ قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا.
قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم: وهو قائم بعرفة، يوم جمعة.
رواه البخاري في صحيحه (45) و (7268). وفي رواية »نزلت يوم جمعة، يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد«. وفي رواية »وهما لنا عيدان«. (انظر فتح الباري 105/1).
وبذلك يســتدل على صحة استحباب الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم
* * *
الدليل الرابع: وفي كتاب الله عز وجل بيان لقصة ميلاد عيسى عليه سلام الله، وميلاد يحيى بن زكريا عليهما السلام، وقد نطقت آيات كثيرة بالإشارة إلى ميلاد مريم عليها السلام، وماسبق ذلك الميلاد من دعاء الأم الرؤوم، وما صحبه من تخوف واعتذار، وما صحب مولدها عليها السلام من إكرام الله لها حيث كفلها زكريا، وحيث الرزقُ المتجدد المتعدد الأنواع، وحيث يتبارى أشراف القوم فيمن يكفل مريم، واقترعوا من أجل ذلك،هذا كله في سورة آل عمران من الآية (34) إلى الآية (44)، وقد أتى ضمن هذه الآيات آياتٌ تتكلم عن نبي الله يحيى بن نبي الله زكريا عليهما السلام، محتفية به متحدثة بالإجلال والتكريم، وقد تحدثت آيات أخر في سور آل عمران والمائدة ومريم عن ميلاد عبد الله ورسوله عيسى بن مريم عليهما السلام.
أقول: أليس في هذا كله ما يستدل به على جواز ذكر النعمة بمولده صلى الله عليه وسلم ؟! وهو بكل تأكيد أفضل خلق الله على الإطلاق؟.
* * *
الدليل الخامس: قال تعالى: لتؤمنوا بالله ورسوله، وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا [الفتح9].
ذهب المفسرون في تفسير هذه الآية: مذهبين:
1) المذهب الأول من وحّد الضمائر.
2) المذهب الثاني من فرَّق بينها.
وخلاصة المذهب الأول أن الضمائر الواردة في الآية الكريمة إما أن تعود كلها إلى الله تعالى، أو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم .
وهو رأي جماعة من المفسرين نقله عنهم الإمام النووي، فمن ذهب إلى أنها تعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:
1) إنه عليه الصلاة والسلام أقرب مذكور في الآية.
2) لا يجوز التفريق بين الضمائر إلا لضرورة.
3) معنى »تسبحوه« أي تنزهوه عن النقائص وتدعوا له.
والمذهب الثاني: وهو مذهب المفرقين بين الضمائر، فقالوا: إن الضمير في »تسبحوه« يعود إلى الله تعالى، والضمير في »تعزروه وتوقروه« يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنَّ ما أسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم من تعظيمه وتوقيره هو موصل إلى تسبيح الله عز وجل، وهذا الأسلوب عند علماء البلاغة يسمى باللف والنشر، وهو من أساليب العرب المعروفة.
الدليل السادس: قال الله تعالى: لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [آل عمران:164].
قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى : (إن بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إحسان إلى كل العالمين، ولقد شرف الله به العرب ونقلهم ببركة مقدمه صلى الله عليه وسلم من رعاة الشاء والغنم إلى رعاة الشعوب والأمم، ورفعهم من عُبّية الجاهلية إلى مقام السيادة والريادة كما قال تعالىوإنه لذكر لك ولقومك.
فقد أفردهم بالفخر على سائر الأمم وذلك لأن الافتخار بإبراهيم عليه السلام كان مشتركاً بين اليهود والنصارى والعرب ثم إن اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى عليهما السلام وبالتوراة والإنجيل.
فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائداً على شرف جميع الأمم) . اهـ. بتصرف.
وإن الناظر بعين الصدق إلى هذا النص الشريف يجد أن الاحتفاء بالمصطفى صلى الله عليه وسلم والابتهاج به لو لم يرد به دليل غير هذه الآية لكفى، لأن المنة لا تُكافأ بعطاء، فيعتبر شكرها والاحتفاء بها والثناء عليها خيراً عائداً على فاعله كما هو الحال في الصلاة والسلام عليه، فهو ابتهاج وتعظيم وتوقير وتعزير، لا يزيد في عمله ولا في قدره صلى الله عليه وسلم صلاة المسلمين عليه لأن صلاة الله قد كفت، حيث إنه يترقى بصلاة ربه من مقام إلى مقام في كل لحظة فتنتفع أمته بذلك.
* * *
الدليل السابع :قوله سبحانه وتعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.
وهذا دليل واضح الدلالة في توقيره وتعظيمه في كل وقت وحين لأن حبه صلى الله عليه وسلم وولاءه أصل الدين وأساسه، فكل العبادات تسوق إليه، وتطبع القلوب على حبه وهذا مقام شريف واحتفاء عزيز، وما الاحتفال بالمولد إلا تطبيع النفس على كثرة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم رجاء أن ينطبع حبه وحب آله في القلوب ليؤسس ذلك الحب ركن الإيمان ويشيد صرح اليقين، فياله من احتفاء وابتهاج عظيم يأمر الله به ملائكته فتتشرف بهذا التكريم، ويأمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه، فياله من شرف مابعده شرف، وتكريم وتخصيص حكيم بالمؤمنين خاصة، إذ لم يناد سبحانه عباده بلفظ: يا أيها الذين أسلموا، بل ناداهم بقوله: يا أيها الذين آمنوا... لأن معرفة قدر حبيبه عزيزة المنال فأدنى مقامات معرفتها مقام الإيمان، والإسلام دون الإيمان.
قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم
فالحب لايدرك إلا بالإيمان ولا يذوق حلاوة الإيمان من لم يعرف الحب إلى قلبه سبيلاً.
* * *
الدليل الثامن :قوله سبحانه وتعالى: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير.
وفي هذا النص القرآني -أخي القارئ- ما لا يخفى عليك من تعظيم الله سبحانه وتعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم وتوقيره وإظهار قدره للخلق أجمعين، فهي آية عظيمة قدس الله فيها نفسه قبل ذكر قدر نبيه لما في ذلك من الحفاوة والتبجيل والتعظيم والتوقير لحبيبه صلى الله عليه وسلم حتى أن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت: (ما أرى ربك إلا يسارع في هواك).
فهذا رب السموات والأرض يقدس ويعظم ويفخم مسرى حبيبه ويضم اسمه إلى اسمه في كل موقف.. ففي الشهادة لايتم الإيمان إلا باسمه .. وفي الصلاة لاتتم إلا باسمه وفي معية الإسراء لايكون الإسراء إلا لروحه ورسمه.
وكل إكرام لنبيه إكرام لأمته مع حفظ الباري لقدر حبيبه وغيرته على ذلك من أن ينازعه في فضله أحد وإن علا من المرسلين والنبيين والصديقين، فلكل منهم مقام معلوم والنبي الخاتم هو الإمام الفاتح وكلهم مأموم.
إن حادثة الإسراء والمعراج ابتهاج وعيد واضح للكون أجمع، يجمع الله له صلى الله عليه وسلم الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين والصديقين والصالحين والملائكة المقربين، ليكون هو الإمام وهم المأمومين ليعرفوا قدره العظيم.
ثم يعرج به إلى السموات العلى لتشترك السموات والأرض والعوالم أجمع في هذا العيد العظيم يوم أن أتمّ الله المنة للمؤمنين فحاز النبي صلى الله عليه وسلم المقامات العظيمة واجتازها في ليلة فخيمة، ورأى ربه وكلَّمه وناجاه فعاد صلى الله عليه وسلم بمعراج المؤمنين بقلوبهم في صلاتهم.. فيانعم الاحتفاء بسيد الأوفياء الذي حفظ الله مقامه في الدنيا والآخرة، وسيؤكده الله يوم القيامة حينما يقول كل نبي : نفسي نفسي.. فيقول سيد الشفعاء : (أنا لها أنا لها) في يوم غضب ربي غضباً لم يغضب مثله قبله ولن يغضب مثله بعده.
يأمر سبحانه وتعالى جميع الخلائق أن تلجأ إلى حبيبه صلى الله عليه وسلم حيث يبرز مقامه في ذلك الموقف العظيم، فيا سعد من والاه وياسعد من صلى عليه تلك الصلاة التي هي فيصل الحق لأهل الحق، فصلوات الله وسلامه على من قال : (إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامه أكثركم علي صلاة) فهنيئاً لمن أكثر الصلاة عليه واتخذ من مولده عادة بالإكثار من الصلاة عليه والإدمان عليها حتى يكون عبد الله وحبيبه.
* * *
الدليل التاسع : قوله سبحانه وتعالى إنا أنزلناه في ليلة مباركة مع قوله سبحانه إنا أنزلناه في ليلة القدر
نعت الله سبحانه وتعالى ليلة نزول القرآن، والقرآن خُلُق سيد الأكوان، بأنها مباركة وأنها ذات قدر فقال سبحانه: وما أدراك ماليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر.
أي أن الله سبحانه وتعالى يُنزل ليلة القدر في كل سنة وفي كل شهر كبكبة من الملائكة والأرواح الصالحة من كل عالم مع روح سيد العوالم صلى الله عليه وسلم وما ذلك إلا لعظيم القدر وما ذلك التكرار إلا لإعادة التذكار للعقول والأفكار الموفقة بمحبة سيد الأبرار صلى الله عليه وسلم.
فإذا كان ذلك القدر للقرآن المنزل الذي هو خلقه صلى الله عليه وسلم فكيف به صلى الله عليه وسلم ؟
لا شك أنه قدر فوق قدر، فإذا كانت شعائر الله ذات قدر، ومؤقتة في الزمان والمكان فالابتهاج به مطلق غير مقيد كما هو حال الذكر لأنه رحمة عامة ومنة تامة.
وقد ختم الله الآية بمطلع الفجر، ومطلع الفجر في الظاهر هو الذي نعلم أما مطلع الفجر في الحقيقة فهو نور الفتح، أي أن التوقير والتقدير والابتهاج بميلاد سيد الكائنات مآله النور التام بحسن الختام والالتقاء معه تحت اللواء للشرب من يده الشريفة شربة هنيئة مابعدها ظمأ.


بلوغ المأمول بالاحتفاء والاحتفال بمولد الرسول
· الفصل الثاني: الأدلة من السـنة
·الدليل الأول: سئل عن صوم يوم الاثنين
·الدليل الثــاني: صيام يوم عاشوراء
·الدليل الثالث: تذاكر الصحابة سير الأنبياء
·الدليل الرابع: تخفيف العذاب عن أبي لهب
·الدليل الخامس:عقيقة النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه
·الدليل السادس: فضل يوم الجمعة
·الدليل السابع: قول اليهود في الآية اليوم أكملت...
·الدليل الثامن: أعمال البر التي يشتمل عليها المولد
·الدليل التاسع: ذكر ابن تيمية لرأي الإمام أحمد ابـن حنبل في أقوام يجتمعون للصلاة على النبي صلى الله عليه ةسلم
·فائدة
·الدليل العاشر: يوم العروبة
·الدليل الحادي عشر: وبه تساؤلات في دلالة الآثار على عظم الابتهاج والاحتفاء به صلى الله عليه وسلم.

الفصل الثاني
الأدلة من السنة المشرفة
وأما الأدلة من السنة فكثيرة متضافرة، تتلخص فيما يلي:
الدليل الأول: أخرج مسلم في صحيحه (2/819) عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: »ذاك يوم ولدتُ فيه، وفيه أنزل علي«.
وهذا نص في الاحتفال بيوم مولده صلى الله عليه وسلم لا يحتمل غيره.
ولم أجد للمخالف جواباً عنه إلا طلب الاقتصار على الصيام فقط، وهي ظاهرية محضة، وتخصيص بدون مخصص، لكنها مع ذلك موافقة لنا في مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.
ولله دَر الحافظ ابن رجب الحنبلي حيث قال في هذا المعنى في كتابه لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف (ص98):
»فيه إشارة إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله على عباده، فإن أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد صلى الله عليه وسلم وبعثته وإرساله إليهم، كما قال تعالى: لقد مَنّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم [آل عمران:164]، فصيام يوم تجددت فيه هذه النعمة من الله سبحانه على عباده المؤمنين حسنٌ جميل، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر«.اهـ.
والمقصود الوصول بهذه الطاعة إلى محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وقد يتحقق هذا المقصود بأي وسيلة مشروعة، فالوسائل لها حكم المقاصد إذا كان المقصد شرعياً.
* * *
الدليل الثاني: قد صح الحديث عنه صلى الله عليه وسلم في صيام عاشوراء، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسئلوا عن ذلك فقالوا: هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه تعظيماً له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : »نحن أولى بموسى منكم«. وأمر بصومه. أخرجه البخاري (7/215) ومسلم (رقم1130). وفي هذا الحديــث تأصيل لملاحظة الزمان والعنــاية به.
وقد استدل أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى بهذا الحديث على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، كما في فتوى له نقلها الحافظ السيوطي في »حسن المقصد في عمل المولد« انظر الحاوي للفتاوي (1/196).
فقال ما نصه: »فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما مَنَّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكرُ لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم«.اهـ.
* * *
الدليل الثالث: كان الصحابة رضي الله عنهم يتذاكرون فيه من سير الأنبياء، فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذكر سيرته، لأنه أفضل وأكمل الأنبياء والجامع لما كان متفرقاً فيهم، وما المولد إلا عمل بهذا الإرشاد النبوي لأن فيه ذكراً لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد أخرج الترمذي (تحفة الأحوذي1/86)، وقال الترمذي: غريب، والدارمي (1/26) والقاضي عياض في الشفا (1/408):
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، قال بعضهم: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وقال آخر: موسى كلّمه الله تكليماً، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر: آدم اصطفاه الله، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: »قد سمعت كلامكم وعجبكم، إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجي الله وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولافخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها، ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر«.
وهو حديث قوي، وله شواهد رواها البيهقي في دلائل النبوة (5/270ــ 500).
وأصل الحديث في الصحيحين.
ويؤيد هذه الرواية التي تؤكد احتفاء الصحابة بذكرى رسول اللهصلى الله عليه وسلم فهذا كعب الأحبار رضي الله عنه يتذاكر مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم وما خصه به، فقال كعب ما من فجر إلا نزل سبعون ألفاً من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألفاً حتى يحفوا بالقبر فيضربون بأجنحتهم فيصلون على النبي صلى الله عليه وسلم سبعون ألفاً بالليل وسبعون ألفاً بالنهار حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفاً من الملائكة يزفونه ـ وفي لفظ يوقرونه ـ رواه اسماعيل القاضي وابن بشكوال والبيهقي في الشعب والدارمي وابن المبارك في الرقائق وهو حديث صحيح(1).
الدليل الرابع: قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه: »مورد الصادي في مولد الهادي«: قد صح أن أبا لهب يُخفف عنه العذاب في مثل يوم الإثنين لإعتاقه ثويبة سروراً بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم . ثم أنشد :
إذا كان هذا كافراً جاء ذمه
وتبت يداه في الجحيم مُخَلدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائماً
يخفف عنه بالسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمره
بأحمد مسروراً ومات موحداً
فإذا كان هذا الكافر الذي جاء القرآن بذمه يُخفف عنه العذاب لفرحه بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم فما بال الذي يحتفل بذلك.
وهذا ما ذكره وقرره أيضاً شيخ القراء والمحدثين الحافظ شمس الدين بن الجزري في »عرف التعريف بالمولد الشريف«.
* * *
الدليل الخامس: قال الحافظ جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي في رسالة:حسن المقصد (وهي في كتابه الحاوي للفتاوي1/196): وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عَقَّ عن نفسه بعد النبوة، مع أنه قد ورد أن جده عبدالمطلب عَقَّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات.انتهى.
وأما الاجتماع على الخير فهو مشروع بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: »لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده«. رواه مسلم برقم (2700).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لهم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثاً مني، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عزَّ وجل يباهي بكم الملائكة«. رواه مسلم برقم (2701).
قال العلامة ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية (ص150): وفي الحديثين أوضح دليل على فضل الاجتماع على الخير والجلوس له وأن الحالتين على خير كذلك يباهي الله بهم الملائكة وتنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة ويذكرون الله تعالى بالثناء عليهم بين الملائكة، فأي فضائل أجل من هذه. انتهى.
الدليل السادس: لقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في فضل الجمعة: »وفيه خُلق آدم« أخرجه مالك في الموطأ (1/108)، والترمذي (رقم491) وقال: حسن صحيح.
فقد تشرف يوم الجمعة بخلق آدم، فبدلالة النص وفحوى الخطاب وقياس الأولى ثبت فضل اليوم الذي ولد فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم .
ولا يختص هذا الفضل بنفس اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، بل يكون له نفس الفضل كلما تكرر، كما هو الفضل في يوم الجمعة.
* * *
الدليل السابع: فيما أخرجه البخاري (الفتح8/270) وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. فقال: أي آية؟ قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً [المائدة3].
فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذين نزلت فيه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم بعرفة يوم الجمعة.
وأخرج الترمذي (5/250) عن ابن عباس نحوه وقال فيه: نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة، وقال الترمذي: وهو صحيح.
وفي هذا الأثر موافقة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه على اتخاذ اليوم الذي حدثت فيه نعمة عظيمة عيداً، لأن الزمان ظرف للحدث العظيم، فعند عود اليوم الذي وقعت فيه الحادثة يكون موسماً لشكر تلك النعمة وفرصة لإظهار الفرح والسرور بها.
* * *
الدليل الثامن: أعمال البر التي يشتمل عليها المولد، إن الاحتفال بالمولد يشتمل على كثير من أعمال البر كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والذكر والصدقة، ومدح وتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذكر شمائله الشريفة وأخباره المنيفة، وكلُّ هذا مطلوب شرعاً ومندوب إليه.
وما كان يبعث ويساعد على المطلوب شرعاً فهو مطلوب، لذا قال تعالى مخبراً أنه هو وملائكته يصلون على النبي: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب 56].
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (3/506): »والمقصود من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر الله تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالَمَين العلوي والسفلي جميعاً«.اهـ.
وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدح نفسه وغيره من الأنبياء السابقين، ورغّب في ذلك، وعمل به الصحابة بحضرته، فرضي به ودعا لمن مدحه وأثابه.
وأخرج أحمد (4/24) وابن أبي شيبة (6/180)، والطبراني في المعجم الكبير (1/رقم842) عن الأسود ابن سريع قال: قلـت: يا رسول الله مدحتُ الله بمدحة، ومدحتك بمدحة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هات وابدأ بمدحة الله.
في إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو مختلف فيه، وذكره الذهبي في جزئه المفيد »من تكلم فيه وهو موثق« برقم (249)، وقال: »صويلح الحديث« وقد روى له مسلم مقروناً بغيره.
لكن أخرجه حمزة بن يوسف السهمي في تاريخ جرجان (ص413رقم723) ، عن أبي سعيد الأشج، حدثنا عبدالسلام بن حرب بن عوف عن الحسن، عن الأسود عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
إسناده صحيح، مسلسل بالثقات المحتج بهم في الصحيح، وعوف هو ابن أبي جميلة، والحسن هو البصري وقد سمع من الأسود.
ومدحُ رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء على لسان عدد من الصحابة، فقد أخرج أحمد في المسند (3/451)، وابن عساكر في التاريخ (مختصر ابن منظور 12/158)، عن عبدالله بن رواحة رضي الله عنه قال:
وفينا رسول الله يتلو كتابه
إذا انشق معروف من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا
به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه
إذا استثقلت بالكافرين المضاجع.
والاستماع للحادي في المدح جائز لا شيء فيه، ففي صحيح البخاري »كتاب الأدب باب ما يجوز من الشعر (5/2294) عن سلمة بن الأكوع: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فسرنا ليلاً فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هُنيهاتك. قال: وكان عامرٌ رجلاً شاعراً فنزل يحدو بالقوم يقول:
لا هُــمَّ لولا أنت ما اهـتـديـــنا
ولا تــصـدقـنـا ولا صـلـيـنـا
فـــاغــفر فـداء لك ما اقـتـفينا
وثـبــت الأقـــدام إن لاقـيـنـا
وألـقـيـنْ سـكـيـنـةً عـلـينا
إنَّــا إذا صـيـح بـنـا أتـيـنا
وبالـصـيـاح عـولـوا عـلـيـنا
ولهذا نظائر، انظر صحيح البخاري (كتاب الأدب، باب مايجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه، وباب المعاريض مندوحة عن الكذب) وفي صحيح مسلم في أوائل كتاب الشعر من صحيحه.
* * *
الدليل التاسع: قال المروزي: سألت أبا عبدالله (يعني الإمام أحمد بن حنبل) عن القوم يبيتون، فيقرأ قارئ ويدعون حتى يصبحوا؟. قال:»أرجو أن لا يكون به بأس«.
وقال أبو السري الحربي، قال أبو عبدالله: »وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس يصلون، ويذكرون ما أنعم الله عليهم، كما قالت الأنصار؟«. (وسيأتي ما قالت الأنصار في الدليل العاشر).
وقال أبو أمية الطرسوسي: سألت أحمد بن حنبل عن القوم يجتمعون ويقرأ لهم القارئ قراءة حزينة فيبكون، وربما أطفأوا السراج. فقال لي أحمد: إن كان يقرأ قراءة أبي موسى فلا بأس.
وروى الخلال عن الأوزاعي: أنه سئل عن القوم يجتمعون فيأمرون رجلاً فيقص عليهم. قال: إذا كان ذلك يوماً بعد الأيام فليس به بأس. انتهى. من كتاب: »اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم« لابن تيمية (2 / 634 - 635-636).
فــائــدة:
قال ابن تيمية في الفتاوى 132/23:
الاجتماع على الطاعات والعبادات نوعان: أحدهما سنة راتبة، إما واجب وإما مستحب كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين، وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح فهذا سنة راتبة ينبغي المحافظة عليها والمداومة.
والثاني ماليس بسنة راتبة مثل الاجتماع لصلاة تطوع مثل قيام الليل أو على قراءة قرآن، أو ذكر الله، أو دعاء، فهذا لا بأس به إذا لم يتخذ عادة راتبة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى التطوع في جماعة أحياناً، ولم يداوم عليه إلا ما ذكر، وكان أصحابه إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ والباقي يستمعون... وقد رُوي في الملائكة السيارين الذين يتبعون مجالس الذكر الحديث المعروف. فلو أن قوماً اجتمعوا بعض الليالي على صلاة تطوع من غير أن يتخذوا ذلك عادة راتبة تشبه السنة الراتبة لم يكره... وكذا القول في ليلة المولد وغيرها.
* * *
الدليل العاشر: وأورد السيوطي في الدر المنثور عند تفسير سورة الجمعة من طريق عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سيرين، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن سيرين بسند صحيح: نبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لو نظرنا يوماً فاجتمعنا فذكرنا هذا الأمر، الذي أنعم الله به علينا، فقالوا: يوم السبت، ثم قالوا: لا نجامع اليهود في يومهم، قالوا: الأحد، قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا: فيوم العروبة، وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا في بيت أبي أمامة أسعد بن زرارة فذبحت لهم شاة فكفتهم(1). اهـ.
ترى أيها القارئ الكريم أن هذا الحديث يمكن أن يستفاد منه أمور منها:
* فيما يتعلق بالأمور المستجدة، يمكن أن يفهم من هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر ما يحدث من الأعمال مما يشهد له أصل من أصول الشريعة، فقد أقرهم صلى الله عليه وسلم على اجتماعهم في هذا اليوم، دون أن ينتظروا إذناً منه فضلاً عن أمر منه صلى الله عليه وسلم .
* ويفهم من هذا الحديث كما استدل به ابن تيمية رحمه الله ضرورة مخالفة النصارى واليهود في كل ماهو من سماتهم وشيمهم خصوصاً ماله تعلق بأمر من أمور العبادات.
* ويفهم منه استحباب ذكر النعمة والاحتفاء والاحتفال بأيامها، وذلك أخذاً من حديث الأنصار بمنة الله عليهم يوم عرفوا الإسلام، ومن بحثهم عن يوم يختارونه لإظهار فرحتهم بذلك الحدث السعيد.
* * *
الدليل الحادي عشر: إن جميع الأحاديث والآثار التي تحض وتأمر بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأعظم دليل بالابتهاج والاحتفاء به صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما أورده الإمام البخاري رضي الله عنه في باب: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، حيث يقول: »قال أبو العالية: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء . قال ابن عباس: يصلون: يُبَرِّكون.
روى البخاري في صحيحه برقم (4797) عن كعب بن عُجرة رضي الله عنه: قيل: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: »قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد«.
وقد بوّب الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى في القول البديع (ص43)، فقال: »الباب الأول، في الأمر بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أي وقت كان وكيفية ذلك على اختلاف أنواعه، والأمر بتحسين الصلاة عليه والترغيب في حضور المجالس التي يصلى فيها عليه، وأن علامة أهل السنة الكثرة منها، وأن صلاة الملائكة عليه صلى الله عليه وسلم على الدوام«. انتهى.
قلت: وفي هذا أعظم دليل على توقير الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه.
وقال الإمام الحليمي في شعب الإيمان: إن التعظيم منزلة فوق المحبة، فحق علينا أن نحبه ونبجله ونعظمه أكثر من إجلال عبدٍ سيدَه، وولد والدَه.. إلى أن قال: وبمثل هذا نطق الكتاب ووردت أوامر الله تعالى بالآيات والأحاديث.اهـ.
ومما فتح الله به على العبد الضعيف بفضل الله تعالى من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: »لاتجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم«.حديث صحيح أخرجه أحمد (2/367)، وأبو داود (2042)، وابن خزيمة (48) وغيرهم:
إنه لما علم المصطفى صلى الله عليه وسلم توقير الله له في جميع أطوار حياته وأن قبره مكرم معظم، وسيكون ملجأً للصادقين: طلب من ربه ألاّ يخص ذلك التعظيم بيوم معين أو ساعة معينة لئلا تحصل فيه المشقة على الأمة، بل أراد أن تكون زيارته صلى الله عليه وسلم مطلقة في كل وقت وحين تيسيراً على هذه الأمة.
فكل وقت ولحظة يزور فيها الزائرون قبره المعظم هو وقت سرور وحبور لا شك في ذلك ولا ريب، فهو مائدة مفتوحة كما هو الشأن في الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، فكلما تصلي عليه يحصل لك السرور والفرح، ويؤيد ذلك قول الإمام الخفاجي في نسيم الرياض في شرح الشفاء للقاضي عياض (3/502): »والمراد لا تتخذوها كالـعيـد، تزورونها في الــعـام مرة، بل أكثروا من زيارتها«. أي القبور. اهـ.
ويؤيد تلك الرواية قوله صلى الله عليه وسلم: »لا تتخذوا بيتي عيداً ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً وصلّوا عليّ حيث كنتـم فــإن صــلاتكم تبلغني« رواه الطبراني(1) وأبو يعلى(2) بسند حسن كما قال القاري في شرح الشفا 3/502 (بهامش نسيم الرياض).
وهذا الحديث فيه تأكيد واضح على أن الاحتفاء والابتهاج بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيارته معراج قائم في كل وقت وحين، مبسوطة موائده، مفتاحه همة المؤمن الصادق إذا أقبل عليه بالتوقير والتعظيم، وشغل روحه وفكره وقلبه به صلى الله عليه وسلم، وبذلك يحصل الخير الجزيل والفضل الكبير، والأنس والاستئناس والسكينة والطمأنينة،ويذوق حلاوة الإيمان.
والبيان واضح في تلك الأخبار بما أذن الله للنبي المختار.
ففي الخبر الأول:أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »اللهم لا تجعل قبري وثناً يصلى عليه«.
وفي رواية: »يُعبد« وهو حديث صحيح أخرجه أحمد في المسند (7352) موصولاً، ومالك في الموطأ (172) مرسلاً. وأخرجه البزار (مجمع الزوائد 2/28) موصولاً. والحديث له طرق.


الفصل الثالث: تساؤلات وردود:·التساؤل الأول: لم قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم لا تجعل قبري عيداً.·التساؤل الثاني: هل يقصد النبي بالعيد الابتهاج والفرح أم التعظيم والتوقير لقبره.·التساؤل الثالث: السبب في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ بيته عيداً واتخاذ بيوت المؤمنين مقابر.·التساؤل الرابع: هي يعني بالعيد إظهار زينة مخصوصة·التساؤل الخامس: هل في الحديث نهي للصحابة عن توقير وتعظيم قبره. دليل الإجماع:تساؤلات حول المولدالتساؤل الأول:لِمَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا تجعل قبري وثناً يصلى عليه؟ أو وثناً يُعبد هل كُشف له حال الأمة من بعده أنها ستتخذ قبره وثناً أم رأى من تعظيم أصحابه له أنه يصل بهم إلى حد أن يتخذوا قبره وثناً، فدعا بهذه الدعوة؟؟ فهذا التساؤل مجاب عليه ضمن الحديث المتقدم بأنه صلى الله عليه وسلم لم يخص زيارته بيوم معين ولم يكلف الأمة عناء ذلك بتخصيص ذلك اليوم لأن فضله صلى الله عليه وسلم إنما استمده من صلاة الله المتكررة عليه في كل لحظة، فلا يليق بمن تكرر فضله أن يخص بيوم معين لأنه هو الممد للفضائل كلها وهو عين الأعيان الإمدادية صلى الله عليه وآله وسلم. وكما أن المراد من زيارته صلى الله عليه وسلم توطين محبته في القلوب وتطبيع النفس بالصلاة عليه، كذلك الاحتفال به ما هو إلا توطين محبته في القلوب وتطبيع النفس بإدمان الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم.والحديث وإن كان لفظه النفي فمعناه وجوب المواصلة الدائمة، أي: لا تجعلوه عيداً مرة في السنة بل اجعلوه معراجاً متصلاً ؛ لذا ترك الابتهاج به مرة واحدة لوجوبه في كل لحظة.أضف إلى ذلك البيان الذي جاء في عَجُزِ الحديث: »ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً...« يعني بل عيداً ... أي أن الابتهاج به لا يختص بالمكان ليوافق ذلك قوله سبحانه:واعلموا أن فيكم رسول الله [الحجرات:7] ولا يعني ذلك نفي منزلة المكان وفضله ولكن على قدر الكمال يضاعف الأجر.وهذا دليلنا بتخصيص ليلة المولد النبوي الشريف بالابتهاج بالنسبة إلينا، فالمناسبات جرس لتنبيه الغافل لا لتحكي ما في نفس الأمر. فالرسول عليه الصلاة والسلام رحمة دائمة وحضور دائم... وما المناسبات إلا تنبيه للعوام في تفسير المطلق ... فالحضور والشعور به إنما هو للعبد المكلف لا حضور رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ هو إرسال دائم لا ينقطع ورحمة دائمة لا تنفد.ولنا دليل ثان وهو قدر الإسلام وقدر القرآن وقدر الرسول صلى الله عليه وسلم المتحقق في كل زمان ومكان، حيث أكد على ذلك القرآن في آيات كثيرة منها قوله: إنا أنزلناه في ليلة القدر [القدر:1] فإذا كان قد تحقق فضل الزمان والمكان في الأبعاض والفروع أي بالنسبة إلى مُلاحِظه، فمن باب أولى أن يتحقق ذلك في الأصول.وهذا الأمر قد تحقق بناموس الفطرة التي فطرها الله، فالخير إذا عمَّ شاع كمثل اشتهار بلد بشيء ما كثمر أو صنعة ... فانتشارها في العالم يحقق فائدتها ولكن يبقى لها في موطنها تميز خاص له أثره ... فهذا حال كل عظيم.أضف إلى ما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هديه: »إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب«.رواه مسلم (2812).وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: »إن هذه الأمة مرحومة«.أخرجه أحمد في المسند 4/408 وإسناده لا بأس به، وله شواهد تقويه.فإذاً لم يخش النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من الشرك وإنما خشي عليها من الاختلاف في جهل فقه الاختلاف ... وقد استجيبت دعوته صلى الله عليه وسلم.أما احتمال أن يرى أصحابه وقد اتخذوا قبره وثناً فهذا احتمال باطل لقوله صلى الله عليه وسلم: »خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ...«. الحديث.أخرجه البخاري (2652)، ومسلم (2533). وقوله صلى الله عليه وسلم: »عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ...«.أخرجه الترمذي (2676) وصححه هو وابن حبان(5) واللفظ له.أي: سنته ومنهج آل بيته وأصحابه أجمعين.التساؤل الثاني:هل يقصد النبي صلى الله عليه وسلم بالعيد: الابتهاج والفرح أم التعظيم والتوقير لقبره؟ وهل التوقير يؤدي إلى العبادة؟!يقصد النبي صلى الله عليه وسلم بالعيد: الابتهاج والفرح لأنهما مظهر من مظاهر التوقير والتعظيم فمن عظّم شيئاً ابتهج به ووقَّره.فابتهاجنا بعيد الفطر مظهر تعظيمنا لشهر رمضان المبارك وابتهاجنا بعيد الأضحى مظهر لمشاركتنا بهجة الحجيج في تعظيمهم لأيام الله المشهورة. وعيد الأضحى هو عيد الأعياد ففيه فرحة آدم بحواء، وفيه فرحة إبراهيم بفداء ابنه إسماعيل، وفيه فرحة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بتمام الرسالة ... ولذلك سُمي بالعيد الأكبر.ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم قد استجيب فليس أحد من المسلمين يعبد محمداً، إنما هو التوقير والتعظيم له صلى الله عليه وسلم.التساؤل الثالث:ماالسبب في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ بيته عيداً واتخاذ بيوت المؤمنين مقابر، وماهي المناسبة لهذا الربط، وما العيد الذي عناه، وما المقابر التي عناها، وإلى ماذا يرشد الحديث؟لقد تبين من الجواب المتقدم طرفٌ من محصل هذا التساؤل، وبقي بيان مناسبة الارتباط بين بيته صلى الله عليه وسلم وبيوت المؤمنين.لا شك أنَّ المناسبة هي أن وجود روحه صلى الله عليه وسلم غير مقتصرة على مسجده بل إن روحه حاضرة »جوالة« في بيوت المؤمنين وذلك لكثرة ذكرها، إذ أن الرحمة متحصلة حيثما تُعُرِّض لها بالذكر وَجْداً أو تواجداً، ودليله الحديث: »ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده«(1).والرحمة(2) هنا هي روح سيد المرسلين و أرواح أولياء الله الصالحين(3)، وقد ثبت عن الإمام الجليل سفيان بن عيينة أنه قال: »عند ذِكْرِ الصالحين تنزل الرحمة«.أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 7/285. بسند حسن.ولا يمنع النبي صلى الله عليه وسلم البهجةَ حين رؤية مرقده أو زيارة مسجده بهذا الحديث، وكأني به صلى الله عليه وسلم يقول:»لا تقصروا الفرحة بي عند مجيئكم مسـجدي بل افرحوا بي حيثما كنتـم وحيـثما حللتم ...« فكل موطن لا يظهر فيه الابتهاج والفرح برسول اللهصلى الله عليه وسلم ـ والذي من أجلى مظاهره الصلاة والسلام عليه ـ إنما هو حسرةٌ وندامة كما قال صلى الله عليه وسلم ذلك في هديه الشريف: »ما قعد قوم مقعداً لا يذكرون الله فيه ولايصلون على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن أُدخلوا الجنة للثواب«.أخرجه ابن حبان في صحيحه (591) وإسناده صحيح وله شواهد أخرى.فالعيد الذي عناه صلى الله عليه وسلم هو الفرح والبهجة به حيثما وجد المؤمن ... والمقابر التي عناها هي عدم الابتهاج به وذلك من عدم الصلاة عليه والتي يترتب عليها موت القلوب والأرواح وبقاؤها في سجن الأشباح، لا تعرف للنور سبيلاً، وهذا معنى اللعن والطرد من رحمة الله، فقد أخرج مسلم في صحيحه: »مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت«(1).والحديث يرشد إلى الآتي: 1ــ الحض على الابتهاج بزيارته ومولده صلى الله عليه وسلم وأنهما يتحدان في تأصيل الإيمان وتثبيت القلوب وتطبيعها على التوقير والتعظيم له صلى الله عليه وسلم.2ـ أن الصلاة عليه أعظم مظهر من مظاهر الابتهاج وهي متحققة في توقيره وتعظيمه والاحتفاء برفعة شأنه.3ـ إظهار النبي صلى الله عليه وسلم لقدره وأن قدره غير محصور في بقعة من البقاع أو مكان من الأمكنة بل هو ممتد في جميع مناحي الحياة، للبر والفاجر، للكافرين رحمة إيقاظ وتأجيل عذاب في الحياة الدنيا، وللمؤمنين رحمة إرشاد وإمداد وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء:107]. وقوله: وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيرا [سبأ:28].فالبشارة هي النعمة التي حظي بها المؤمنون.4ـ التيسير على المسلمين لزيارة قبره المكرم في أي وقت دون تحديد وقت معين.5ـ توضيح النبي صلى الله عليه وسلم للأمة بأن الصلاة عليه وزيارته عيد لا كالأعياد بل هو سيد الأعياد، والسيد بابه مفتوح، لا يفتح في وقت دون وقت.6ـ تبيين مقام الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم.7ـ الحديث يدعو إلى استمرارية التعلق به صلى الله عليه وسلم وأن التعلق لا يتوقف على الزمان والمكان بل هو في كل وقت وحين.8ـ العيد مظهر من مظاهر الشكر لله سبحانه وتعالى.والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مظهر من مظاهر المنّة، والمنّةُ تحتاج لحفاوة مطلقة وابتهاج مطلق وتوقير وتعظيم مستمر لأن المنّة تكون بما يصدر منه إليك، وأما الشكر فبما يصدر منك إليه تعالى. فالشكر مظهر من مظاهر المنة وهو بمنزلة الفرع من الأصل... وصدق الله إذ يقول: لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته [آل عمران:164].التساؤل الرابع:هل يعني بالعيد إظهار زينة مخصوصة كما يعمل في الأعياد ، وهل يكتفى في الزيارة بالسلام والدعاء فقط؟؟لا شك أن الزينة مظهر اتفقت عليه الأعراف لكل ابتهاج كالفرحة بالزواج، وقد حضت على إظهاره الشريعة الغراء لقوله صلى الله عليه وسلم:»أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدفوف«.حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (4066)، والحاكم 2/183، وصححاه.ويُسن فيه ضرب الدف والغناء المهذب، ووضع مظاهر الزينة، فما دامت هذه الأشياء معتبرة عرفاً وشرعاً فمن باب أولى أن تستعمل في الابتهاج بمنة الله العظمى وليس ثمة مسوغ للمنع بل التحذير من منعها لقوله سبحانه: قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق....فالنهي منصب إذاً على تخصيص يوم معين والغفلة عن ذلك في سائر الأيام، لأن توقيره وتعظيمه صلى الله عليه وسلم والابتهاج به دِين وأيُّ دِين.ولا يُكتفى عند الزيارة بالسلام والدعاء فقط دون الابتهاج والتوقير والتعظيم واستحضار قداسة المكان لأجل أن يتحقق رجاء العبد من المنان عند وقوفه بباب كعبة الإحسان صلى الله عليه وسلم.التساؤل الخامس:هل في الحديث المتقدم: »لا تتخذوا قبري ـ وفي رواية بيتي ـ عيداً ...«. نهي للصحابة عن توقير وتعظيم قبره؟ وهل يأمرهم بالابتهاج في دورهم وينهاهم عن ذلك في مسجده وهل الاحتفال مقصور على البيوت دون المسجد؟؟ليس في الحديث نهي عن توقير وتعظيم قبره، بل في الحديث أَمْرٌ وحَض ٌّعلى توقيره وتعظيمه صلى الله عليه وسلم لما قررنا سلفاً، ويؤيده قوله سبحانه: وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً فاعتبر الصلاة عليه بمنزلة التسبيح والتهليل بل هي أعظم لأنها ذكر الله وملائكته.نعم، أمرهم بالابتهاج في دورهم ولم ينههم عن ذلك في مسجده إلا إذا اقتصر عليه دون سواه كما تقدم، ولا يعني أنه أمر به في البيوت، ومنعه في مسجده. فالمنع منصبٌ إذا خُصص بيته قيداً للابتهاج دون سواه كما تقرر سابقاً، والله أعلم.وأما الرواية الأخرى: »اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد...«، فقد قال الخفاجي في نسيم الرياض 3/513:»أي كالوثن وهو الصنم من الحجارة ... أي بعد وضعي فيه وقيل: الفرق بين الوثن والصنم ... الأول ما كان نحتاً من حجارة وغيرها، والثاني ما كان صورة مجسمة، وقيل: هما بمعنى، فيطلقان عليهما« اهـ والله أعلم.دليل الإجماعأما دليل الإجماع فقد انعقد على استحسان الاحتفال بالمولد.فقد ذكر العلماء أن أول من فعل المولد هو الملك المظفر صاحب إربل(1) وكان يحضر المولد الأكابر من العلماء وغيرهم .وقد استحسنه غير واحد من الأئمة المجتهدين، فيقول الإمام المجتهد أبو شامة المقدسي في كتابه »الباعث على إنكار البدع والحوادث«: ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل في اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإنَّ في ذلك ـ مع ما فيه من الإحسان للفقراء ـ إشعاراً بمحبته صلى الله عليه وسلم . اهـ.ولم نجد من اعترض على الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من معاصري الملك المعظَّم أو أبي شامة المقدسي، وقد توفي سنة 665 هـ رحمه الله تعالى.فكان ذلك الاستحسان من العلماء لعمل المولد إجماعاً سكوتياً على مشروعيته.وقد صح عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: »ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن«. صححه الحاكم في المستدرك (3/78) وأقره الذهبي. وانظر المقاصد الحسنة (ص367) وهو موقوف لكن له حكم الرفع لأنه ليس مما للرأي فيه مجال والله تعالى أعلم.


الفصل الرابع
· شبهات وردود
· الشبهة الأولى والرد عليها
· الشبهة الثانية والرد عليها
· الشبهة الثالثة: والرد عليها.
· الشبهة الرابعة والرد عليها.
· الشبهة الخامسة والرد عليها
· الشبهة السادسة والرد عليها
الفصل الرابع
شــبهات وردود
الردود على الشبهات
وبعد الانتهاء من إيراد الأدلة على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف نود ذكر ما أثير حول ذلك من شبهات والجواب عنها فنقول:
الشبهة الأولى والرد عليها:
إن لتاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري الفاكهاني المتوفى سنة (734هـ) رحمه الله تعالى رسالة في الاعتراض على المولد، فحواها الاعتراض على ما يدخله من الجناية فقط.
فالاعتراض ليس على المشروعية بل على ما قد يشوبه من مخالفات، وهي لا تختص به بل تقع في غيره أيضاً، ثم إن الفاكهاني المذكور تأخر عمن استحسنوه وأقروه كما تقدم، فكان كلامه كالمخالف لما اتفق عليه المسلمون، ففيه نظر من هذه الجهة أيضاً كما يعلم من علم الأصول.
وقد أورد الحافظ السيوطي رسالة الفاكهاني رحمهما الله تعالى في »حسن المقصد في عمل المولد« وتعقبه ولم يبق له شبهة. (انظر الحاوي للفتاوي1/193).
الشبهة الثانية والرد عليها:
قولهم: إن المولد بدعة وفي الحديث: »وكل بدعة ضلالة« ولم يفعله أحد من السلف، فالجواب عنه من وجوه:
الأول: المحدثات قسمان: ما وافق الشرع، وما خالف الشرع، فالأول يدور بين الإباحة والندب والوجوب، والثاني يدور بين الكراهة والحرمة. وتقسيم المحدثات إلى هذين القسمين هو الصواب المؤيد بالواقع، وبه صرحت عبارات كثير من أئمة الدين كالشافعي والعز بن عبدالسلام وأبي شامة المقدسي والنووي وغيرهم، وانظر »تهذيب الأسماء واللغات« للإمام النووي (2/22) و»فتح المغيث« للسخاوي (2/229).
والعلماء متفقون على ذلك، ولكنهم قد يختلفون في التسمية فقط، فقد تسمى البدعة الحسنة: بالمصلحة المرسلة، وأشار إلى هذا الشاطبي في الاعتصام.
الثاني: البدعة في الاصطلاح هي ما خالفت أصلاً اتفق عليه، وقال السبكي وغيره: ما أطلقت على الحادث الذي لا أصل له في الشرع.
والبدعة المحدثة، التي جاءت على غير مثال سابق، ولم تخالف أصلاً قد ذكرها القرآن الكريم في قوله سبحانه وتعالى: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها [الحديد 27] أي إن الله سبحانه وتعالى ما ألزمهم بها إلا بعد ما ألزموا بها أنفسهم علماً بأنها في الأصل مرضية من الله، ولكن الله رفع الوجوب فبقي الندب، فحينما ألزموا بها أنفسهم لزمتهم.
ومعنى فما رعوها حق رعايتها أي لم يصبروا على الرهبانية المحمودة، وهي الانقطاع لله تعالى مع الاهتمام بأمر المسلمين. هذا ما فعله بنو إسرائيل في أول أمرهم ثم بعد ذلك فصلوا نية العزم على إعلاءكلمة الله عن الغيرة على حرمات الله لذا ذمهم المولى سبحانه بأنهم ما رعوهاحق رعايتها، ومن هنا نخلص إلى أن كل ما ابتدع على غير مثال سابق لا بد أن يحاط بالعناية والدقة التامة في عدم مخالفة الشرع.
وبسط ذلك المبحث تجده في كتابي »البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع«.
وقال العلامة إسماعيل حقي في تفسيره روح البيان (9/384): عند تفسير قوله تعالى: ورهبانية ابتدعوها : فأقرهم تعالى عليها ولم يعب عليهم فعلها، إنما عاب عليهم عدم رعايتهم لها في دوام العمل فقط وخلع عليها اسم البدعة في حقهم، بخلاف هذه الأمة خلع على مااستحسنوه اسم السنة الحسنة تشريفاً لهم كما قال عليه الصلاة والسلام: »من سنَّ سنّة حسنة...« وقال بعض الكبار : جميع ما ابتدع من السنة الحسنة على طريق القربة إلى الله تعالى داخل في الشريعة التي جاءت بها الرسل.اهـ.
وأكد هذا المعنى السيد عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري في كتابه: »إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة« (ص16)،فقال: »فإنّ الآية لم تعب أولئك الناس على ابتداع الرهبانية، لأنهم قصدوا بها رضوان الله، بل عابَتْهم على أنهم لم يرعوها حق رعايتها، وهذا يفيد مشروعية البدعة الحسنة كما هو ظاهر«.
ثم استدل رحمه الله تعالى بما رواه الطبراني في المعجم الأوسط (مجمع الزوائد 3/139): عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن الله فرض عليكم صوم رمضان ولم يفرض عليكم قيامه، إنما قيامه شيء أحدثتموه فدوموا عليه، فإنَّ ناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة فعابهم الله بتركها فقال: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها.
قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (3/139): فيه زكريا بن أبي مريم، ضعفه النسائي وغيره. اهـ.
قال العلامة المحدث السيد عبد الله بن الصديق: زكريا ابن أبي مريم ذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: يعتبر به(1) . وما استنبطه أبو أمامة رضي الله عنه صحيح.اهـ.
قلت: وأصل البدعة الحسنة مبني على السنة التقريرية، لأن السنة التقريرية عمل قام به غير النبي صلى الله عليه وسلم ـ أي الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ـ في وقت التنزيل، فأقرَّهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك دون تصريح بنفي أو إثبات، وقد طفحت السنة بذلك كما هو في حديث التيمم، وحديث صلاة العصر في بني قريظة، وقراءة سورة الإخلاص. وأما بعد انقطاع الوحي وانتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى أصبح فعل الصحابي بدعة حسنة، بدليل قول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح: نعمت البدعة هذه. وبهذا لا يصح لمعترض بحال أن يستدل بقوله صلى الله عليه وسلم: »عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي« لأن السنة في هذا الحديث تعني المنهج في التعامل مع أصول الكتاب والسنة كما تعامل النبي صلى الله عليه وسلم وليس ثمة معنى غير هذا، إذ لو فُسِّر بغير هذا لفُهم أن الصحابة يؤصِّلون سنّةً، وهذا متعذر قطعاً، فليس ثمة إلا ما ذكرنا، والله أعلم.
الشبهة الثالثة والرد عليها:
قولهم: لا دليل على فعل المولد، فالجواب عليه: إن عدم الدليل، ليس بدليل والاعتماد على المجهول مردود.
ويكفي في هذه العجالة أن أنقل قول ابن القيم في هذا المعنى فإنَّه قد اعتُرض علىه في مسألة القراءة للأموات فقال في كتاب الروح ما نصه: والقائل: إنَّ أحداً من السلف لم يفعل ذلك، قائل ما لا علم له به، فإنَّ هذه شهادة على نفي مالم يعلمه، وما يدريه أن السلف كانوايفعلون ذلك ولا يشهدون من حضرهم عليه. اهـ.
الشبهة الرابعة والرد عليها:
قولهم : المولد محدث، وكل محدثة بدعة مردودة، فالجواب عليه: مفهوم حديث »من أحدث في أمرنا هذا ... الحديث« يخصص منطوقه.
فمنطوق الحديث »من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد« فيكون مفهومه (أي مفهوم المخالفة) هو: من أحدث في أمرنا هذا ما هو منه فليس برد.
فلم يقل أحد: إنَّ جمع القرآن الكريم وإرساله إلى الأمصار وبناء المدارس والأربطة ووضع العلوم والنداء في صلاة القيام والتهجد جماعة في الحرم وغيره من البدع المذمومة.
والمعترضون هربوا وسموها مصالح مرسلة ولا مشاحة في الاصطلاح فلماذا التشدد؟!!
و حديثه صلى الله عليه وسلم: »من سنَّ في الاسلام سنة حسنة فله أجرها ...« الحديث. أخرجه مسلم (3/87) وأحمد (4/361) وابن خزيمة (4/112) وغيرهم.
والحديث عام لأن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم وهذا متفق عليه.
وقد حاول بعضهم صرف الحديث عن ظاهره فقال: سنّ معناها أحيا، لأن الحديث فيه »ومن سن في الإسلام سنة سيئة«. الحديث.
وهو اعتراض مردود لأن معنى كلامه على تأويله المردود »من أحيا في الإسلام سنة سيئة« وهذا كلام فيه شناعة لأنه يلزم منه وجود سنة سيئة في الإسلام.نعوذ بالله من الخذلان.
والحاصل أن الحديث نصٌّ في الباب لا يحتمل غيره، ومن رأى غير ذلك يكون قد صرف الحديث عن ظاهره بدون صارف، ثم هو بين أمرين: إما أن يرجع للصواب، وإلا فهو مكابر والمكابر لا كلام لنا معه فيما كابر فيه.
الشبهة الخامسة والجواب عليها:
زعمهم أن الصحابة رضي الله عنهم لم يحتفلوا بالمولد، فالجواب عليه: إن ترك الاحتفال بالمولد من الصحابة لا يعني تحريم أو كراهة الاحتفال بالمولد، لأن الترك لم يقترن بنهي أو غيره فغاية ما فيه هو جواز الترك للاحتفال فقط، وقد قال الله تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [الحشر:7]. ولم يقل: ما تركه فانتهوا عنه فالترك لا يفيد التحريم.
وقد حرر بحث الترك تحريراً ما عليه مزيد العلامة الكبير المحقق السيد عبد الله بن الصديق الغماري الحسني رحمه الله تعالى في رسالة »حسن التفهم والدرك لمسألة الترك«(1) والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
الشبهة السادسة والرد عليها:
يُلبّس المخالفون على طغام الناس (عامة الناس) بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: لقد أبدلنا الله بعيدين عيد الفطر وعيد الأضحى« فلم يذكر الاحتفاء بمولده.
يُردُ على هذه الشبهة بأن في الدين مسائل كثيرة جاء بها القرآن الكريم وجاءت بها السُنة اقتصر على ذكرها ولم يذكر ما في بابها من جنسها فهل يدل ذلك على منعها وعدم ثبوتها؟
فلو كان هذا المعنى معتبراً لسقطت تعاليم إسلامية كثيرة. ولذا نص العالم الأصولي الإمام الزركشي في كتاب البحر في المسألة الثالثة ما نصه: »ذكر بعض أفراد العام الموافق له في الحكم لا يقتضي التخصيص«. اهـ . (البحر المحيط 220/3).
وقال الآمدي في المسألة الثانية عشرة: »اتفق الجمهور على أنه إذا ورد لفظ عام ولفظ خاص يدل على بعض ما يدل عليه العام، لا يكون الخاص مخَصِّصاً للعام بجنس مدلول الخاص ومخرجاً عنه ما سواه«. اهـ . (الإحكام 488/2).
وفي قضيتنا هذه إنما كان الحديث إجابة على سؤال، ومن المعلوم عند الأصوليين أن الإجابة على السؤال لا تقتضي الحصر والتخصيص، كما تصرح به القاعدة الأصولية المتقدمة.
وفي القواعد الفقهية: »إن ما أوجب شيئاً بخصوصه لا يمنع الأعم بعمومه«(1).
وبناء على ما تقدم تبين جواز الاحتفال بالمولد في أي يوم أو في أي شهر أو في أي سنة على الإطلاق إضافة إلى دخول هذا الاحتفال في عموم الأدلة التي تحض على ذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي كثيرة كقوله سبحانه : يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً، وسبحوه بكرة وأصيلاً، وقوله سبحانه: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً.
وأختم هذا المختصر ببعض الأشعار التي وردت في النبي المختار، رجاء أن يحشرنا الله في زمرة محبيه.
قال العارف بالله العلامة السيد أمين كتبي المكي الحنفي رحمه الله تعالى:
لله ميلادك الغالي الذي سعدتْ
به البسيطة وانجابَتْ به الغِير
يوم به طابت الدنيا فما طلعت
شمس على مثله فيها ولا قمر
وقال في موطن آخر:
أهــلاً بــطــالـع مـولـد المختار
بـهـر الـعـقـول بـسـاطـع الأنـوار
أهــلاً بمــقـدمــه وحـيـهـلاً بـه
بـالـيُمـن والـبـركـات والأسـرار
وقال في موطن آخر:
يا ليلة الاثنين ماذا صافحت
يمُناك من شرفٍ أَشَمَّ ومن غنى
كل الليالي البيض في الدنيا لها
نسـب إلـيـك فأنت مفتاح السنا
فالقَدْر والأعياد والمعراجُ من
حسـناتِك الـلاتي بهرن الأعــينا
وحللت في التاريخ أشرف موضع
نادى برفـعـته الزمان وأعـلـنـا
وملأتِ عين الدهر منك محاسنا
وملأتِ سـمعَ الـدهر يا بشرى لنا
يا ليلة طافت معاهد فضلها
بخيالنا وهْـناً فـأشرقتِ الدُّنا
وُزِنَتْ مزيتُها بكل مزية
مرت عـلـى الدنيا فكانت أوزنا






من مواضيع : محمد ماجد كاتبي






التوقيع - محمد ماجد كاتبي

الحياة فرصة لا تدرك قيمتها إلا بعد فوتها



والوقت أنفس ما عنيت بحفظه $$$ وأراه أسهل ما عليك يضيع

رد مع اقتباس
قديم 06-05-2004, 17:09 رقم المشاركة : 2
ابو يوسف
المدير العام

الصورة الرمزية ابو يوسف
 
تاريخ التسجيل : Mar 2003
رقم العضوية : 10573
المواضيع :
الردود :
مجموع المشاركات : 25,935
بمعدل : 12.39 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 600
معدل تقييم المستوى : ابو يوسف is a name known to allابو يوسف is a name known to allابو يوسف is a name known to allابو يوسف is a name known to allابو يوسف is a name known to allابو يوسف is a name known to all
المخالفات : 0/0 (0)
معلومات إضافية

ابو يوسف غير متواجد حالياً

افتراضي

جزاك الله خيرا أخي الحبيب الشيخ محمد ماجد على هذا التوضيح والتفصيل
جعلك الله من أحباب النبي صلى الله عليه وسلم
وحفظك وأسرتك من كل مكروه
وبارك لك بعبد العزيز وأخته
وجعلهما من حفاظ كتابه الكريم






من مواضيع : ابو يوسف






التوقيع - ابو يوسف


رد مع اقتباس
قديم 22-09-2004, 02:37 رقم المشاركة : 3
CAR
الوسام الرنيمي الذهبي
 
تاريخ التسجيل : Mar 2002
رقم العضوية : 3234
المواضيع :
الردود :
مجموع المشاركات : 834
بمعدل : 0.34 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 100
معدل تقييم المستوى : CAR will become famous soon enoughCAR will become famous soon enough
المخالفات : 0/0 (0)
معلومات إضافية

CAR غير متواجد حالياً

افتراضي

جزاك الله خيرا شيخ محمد ماجد على هذا التوضيح والتفصيل






من مواضيع : CAR






التوقيع - CAR

أساس الخير متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله .

رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


All times are GMT +4. The time now is 11:24.


Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
كل الحقوق محفوظه لشبكة رنيم 2008