بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الذي قال في كتابه الكريم: {يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}.. وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا وحبيبنا وشفيعنا القائل: ((الصوم جُنَّة))..
لم تكن فريضة الصيام واجبة على الأمة المحمدية فحسب.. بل هي واجبة في جميع الشرائع السماوية التي سبقت الشريعة الإسلامية.. لما فيها من عظيم فضل وأجر وثواب..ولذلك خص الله تعالى بها نفسه عز وجل.. حيث ورد في الحديث القدسي : (( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجز به))..
ولكن.. أي صوم هو ذلك الذي أضافه خالقنا ومولانا تبارك وتعالى لنفسه؟؟ وتفرد وحده جل شأنه بالجزاء به؟؟
وأي صوم هو الذي يكون لنا وقاية وجُنَّة من النار؟؟
هل هو ذلك الصوم الذي يمسك صاحبه عن الطعام والشراب وحاله يقول متى يؤذن للمغرب فقد أرهقني الجوع والعطش؟؟
أم هو ذلك الصوم الذي نجد صاحبه صائما فقط لكي يؤدي فريضة من فرائض الله عز وجل؟؟
أم هو ذلك الذي نجد صاحبه قد اعتزل الناس وأمسك بمصحفه يتلو صفحاته حتى إذا كان آخر ليلة من رمضان أغلقه ووضعه فوق الرف حتى يتناوله في رمضان المقبل؟؟
أي صوم هو؟؟
إخوتي وأخواتي..
الصوم درجات ثلاث..
أولا.. صوم الجسد.. وهو الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات بقصد إقامة ركن من أركان الدين وواجبا من واجباته.. وهذا النوع من الصيام أدناها مرتبة..
ثانيا.. صوم الجوارح.. عن جميع الذنوب والآثام.. عن كل ما يفسد أجر الصوم.. وقد أطلق عليه البعض صوم النفس.. لأن النفس الأمارة بالسوء هي التي تأمر الجوارح على فعل الذنوب والمنكرات.. فالعين تصوم عن النظر إلى ما حرم الله.. والأذن تصوم عن سماع كل ما يغضب الله.. واليد تصوم والرجل تصوم واللسان يصوم.. وهذا أخطر الجوارح.. وأشدها حاجة للصيام.. فقد ورد أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لمعاذ رضي الله عنه: ((كُفَّ عليك هذا. وأشار إلى لسانه»، فقال معاذ: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «ثكلَتْك أمك يا معاذ، وهل يكبّ الناسَ في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم؟ ))رواه الترمذي.
ثالثا.. صوم القلب.. وهذا أعلاها مرتبة وأكملها.. وهو صوم القلب عن كل ما سوى الله عز وجل.. وإفراغ القلب من الأغيار.. فكل ما سوى الله غير..
وهو الذي يجب أن يحرص عليه كل مسلم.. وأن يسعى دائما وأبدا للوصول إليه..
وهو الذي قال عنه تبارك وتعالى :{ لعلكم تتقون}..
وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم مكان التقوى.. حيث قال: ((المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله التقوى هاهنا وأومأ بيده إلى القلب وحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم))مجمع الزوائد.
فلينظر كل واحد منا إلى نفسه.. وليقوم صومه..
فمن أي أنواع الصيام أنت صائم؟؟
فإذا كان صومك من المرتبة الأولى فبادر بالتوبة والندم وسارع إلى التسجيل في أي مدرسة من مدارس الصحبة الصالحة التي تعينك وترقى بك إلى المراتب العليا..
وإذا كان صومك من المرتبة الثانية فاحمد الله عز وجل.. وابحث لك عن دورات في معاهد وكليات الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين..
وأما إذا كان صومك من المرتبة الثالثة فهنيئا لك.. واسأل الله الثبات.. فليس هنالك أية جامعة تجمع فيها قلبك وجوارحك على الله عز وجل..
وفقني الله وإياكم لكل خير.. ورفعنا ورزقنا صوما قلبيا عن كل ما سواه..
دمتم بخير وكل عام وأنتم بخير..
أختكم..
أم عمارة